جون كلفن والكلفينية

جون كلفن والكلفينية

بقلم محمود أباشيخ

جون كالفن. (John Calvin 1509-1564) أحد كبار رجال الدين للطائفة البروتستنتية ومن الزعماء الرئيسيين لثورة الإصلاح، التي قاومت الخرافات والوثنية في المسيحية ، ولد في العاشر من يوليو عام 1509 في نيون بيكاررد في فرنسا ، وصار كالفن أحد أهم الشخصيات الأصلاحية الذين ساهموا في علم اللاهوت حتي أطلق اسمه على الكنائس التي تتبع منهجه اللاهوتي، فظهر مصطلح الكالفينية عام 1562 كإسم للكنائس الفرنسية الإصلاحية، وقد تركز نفوذ جون كلفن بشكل خاص في سويسرا وإنجلترا وأسكتلندا ومستعمرات أمريكا الشمالية
كان والده يعمل في الكنيسة الكاثوليكية، ورأي أنه يمكن أن يضمن لإبنه مستقبلا زاهرا في السلك الكهنوتي، فأرسله إلي باريس عندما بلغ الرابعة عشر، وهناك تتلمذ علي يد مارثورين كورديير – Marthurin Cordier – في كلية مونتاغو – Montaigu – وترك أستاذه تأثيرا عميقا في نفس الطفل كالفن وقد كتب إهداء إلي معلمه في شرحع لرسالة بولس الثانية إلي تسالونيكي
كانت كلية مونتاغو متعصبة للكنيسة الكاثوليكية، وكانت خلف إعدام العديد من أتباع مارتن لوثار،
عام 1528 قرر والد جون كالفن ان الدراسة الإكليريكية لا تضمن مستقل ابنه، وذلك بعد أن ساءت علاقته مع القائمين علي كاتدرائية نويون، قرر والده ان دراسة القانون أضمن لمستقبل ولده، [1] فغادر جون كالفن إلي أورليان
وهناك تتلمذ علي يد بييري إيستول – Pierre de l’Estoile – الذي كان يعادي مارتن لوثر
وفي نفس العام بدأ كالغن دراسة اللغة اليونانية،بمساعدة صديقه ملشوت ولمار – Melchior Wolmar – وربما دراسته لليونانية لغة الأناجيل جعلته يري عن قرب زيف تأويلات الكنيسة بينما دراسته للقانون أيقظت فيه روح التحرر من تعسف الكنيسة،، وإن تعسف هو أيضا وقتل المخالفين عندما أصبح صاحب نقوذ

جون كالفن ليس من الرعيل الأول للإصلاحيين، فقد بدأت الثورة قبله وأراقت الكنيسة دماء الكثيرين من الثوار قبل ان ينضم إليهم كلفن، لقد سبقه في الطريق جماعة الوالدينسيان – Waldensians – الذين أبادتهم الكنيسة ، وسبقه من المشاهير جون هاس الذي أحرق حيا، جون وايكليف، الذي أحرقت رفاته، وزونكلي ومارتن لوثر – ومع ذلك كانت الخرافات مازالت منتشرة ، عندما ولد كالفن عام 1509 كان الكنيسة ما زالت تسيطر على عقول شريحة كبيرة من البشر، وكانت الكهنة لا يزالون يسقطون إثم الزنا، ويخرجون العصاة من عذاب المطهر، ويغفرون الذنوب، يحللون الحرام لمن يدفع، يستعان بهم في إيقاف الكوارث الطبيعية، وكانوا يباركون الحقول والمواشي مقابل مبلغ مالي كما كانوا يقومون بالنزول إلي قاعات البحر بزعمهم لتنصير الأسماك
تلك كانت سلطات الكهنة في حياتهم، فإذا ما ماتوا، صارت لرفاتهم قدرات أكبر، فمجرد النظر صباحا إلي تمثال القديس كرستوفر كفيلة بالوقاية من المرض، وضمان لعدم الموت في ذلك اليوم كله،[2]
هذه الخرافات العقائدية دخلت في النصرانية نتيجة تنازل المسيحيين للوثنين، أولا بسبب الاضطهاد الذي عانوه ثم من أجل تقريب المسيحية للعقلية الوثنية كي يسهل عليهم قبولها، تمشيا مع مبدأ بولس ( 1كو 9/19-21 ) وعندما أجتمع بولس مع التلاميذ فيما يعرف بالمجمع الأول، حرر المجمع الوثنيين من كل القيود إلا من أربع محرمات
تقول الكاتبة المسيحية إيلين وايت،
وافق معظم المسيحيين على خفض السقف، وتشكل الاتحاد بين المسيحية والوثنية. وعلى الرغم من قبول عباد الأصنام للمسيحية والمتحدة مع الكنيسة في الظاهر ألا أنهم، تشبثوا بوثنيتهم، فقط غيروا الصور التي كانوا يعبدونها، من صور الكائنات للصور يسوع المسيح مريم العذراء والقديسين.
إن الخميرة الوثنية الكريهة التي أدخلت إلي الكنيسة، واصلت عملها الفاسد، وجلبت للكنيسة اعتقادات خاطئة، طقوس تعبدية خرافية واحتفالات وثنية، اتحدت هذه الوثنيات مع الكنيسة كما اتحد أتباع المسيح مع عباد الأصنام، وهكذا فسدت المسيحية وفقدت طهرها، ورغم ذلك ظل بعض من المسيحيين لم تضلهم هذه الأوهام واستمروا في إخلاصهم لصاحب الحق وعبدوا الله [3] وحده

في القرن الحادي عشر البابا غروغري زعم الكمال للكنيسة،الكاثوليكية، وقال ان الكنيسة معصومة، وأنها لا يمكن أن تكون قد وقعت في خطأ في الماضي ولا يمكن ان تقع في خطأ في المستقبل،، وبتمرير هذه الكذبة، استطاعت الكنيسة ان تفرض ما شاءت علي من شاءت حتى لو كانوا ملوكا، حيث كان بإمكان البابا إسقاط الملك بكلمة منه، لان الولاء كان دائما للبابا المعصوم والذي يملك سلطان غفران الذنوب، ما تقدم وما تأخر، تلك المغفرة ينالها مجانا كل من ينضم إلي الجيش البابوي ويساهم في الحروب الصليبية ضد المخالفين خاصة المسلمين،
أخلاقيات النصارى وصلت إلي الحضيض في روما تحديدا انتشر العهر بمباركة الفاتيكان، وكان البابا سيكستوس الرابع Sixtus IV يتقاضي ضريبة من بيوت الدعارة، كما يتقاضي ضريبة من الكهنة مقابل السماح لهم باقتناء العشيقات، بينما كان البابا ألكسندر السادس، Alexander VIيبدل العشيقات علنا، وله سبع أولاد غير شرعيين [4]
في هذه البيئة ولد كالفن، وتلك كانت الكنيسة التي ينتمي إليها وبدأ العمل فيها منذ ان كان في الثانية عشر من عمره، و عندما انضم كالفن إلي الإصلاحيين، الوضع كان مختلفا نسبيا، بفضل جهود من سبقوه، فقد مرت أعواما منذ ان كتب مارتن لوثر معلنا رفضه لصكوك الغفران، كالفن كان مازال طفلا في السابعة من عمره عندما نشر لوثر رسائله عن أسس الإصلاخ – Ninety-Five Theses – تغيرت الموازين، وصار للثوار أتباع بل شكلوا الأغلبية في بعض المناطق، كما أن بعض الملوك انحازوا للإنجيليين،

لا شك ان كالفن عاني صراعا مريرا مع نفسه، المبادئ الإنسانية التي تشربها في دراسته للحقوق تملي عليه الوقوف مع الإنسانية، ولكن كاثوليكيته تتطلب ولاءا كاملا، كما ان الخرافات إذا ما تمكنت من قلب الإنسان ليس سهلا الإقلاع عنها، وقد عبر كالفن عن صراعه مع نفسه في شرحه للمزامير، وكتب قائلا: لقد كنت مدمنا بشكل عنيد جدا للخرافات البابوية التي تغلغلت جذور عاداتها في ذهني وليس من السهل التخلص من مثل هذا المستنقع العميق[5] ومن الواضح ان كالفن لم يتخلص أبدا من رواسب النصرانية،، فلما ملك النفوذ، فعل ما تفعله الكنيسة دائما، حرق الناس أحياء، ومن ضحاياه العالم سفرتوس -Servetus – الذي أحرق حيا بسبب أفكاره الدينية المعارضة لفكر كالفن ( THEODORE BEZA PP156, 161, 162)

عام 1531 مات والده في حالة حرمان كنسي، وكانت الكنيسة قد حرمته بسبب مشكلة في الحسابات، وكان على أسرة كالفن ان تتذلل لرجال الدين بأن تسمح بإجراء مراسيم الدفن كنسيا،[6] وهذا جعل كلفن يتساءل كيف لا تفرق الكنيسة بين الاعتقاد والأعمال

أثناء هذه الفترة لم يكن كالفن بروتستانتيا كعضو لكن كتاباته تشير إلي مشاركته لفكرهم، وان لم يهاجر الكنيسة الكاثوليكية،
في عام 1533 القي نيكولاس كوب صديق كالفن خطابا في جامعة باريس، هذا الخطاب أثار حفيظة الكاثوليك، وسعت في القبض عليه، كما سعت للفيض علي كالفن، غالبا لمجرد انه صاحبه، غير ان بيزا الذي كتب عن حياة كالفن يؤكد أن كالفن شخصيا كتب الخطاب لصديقه، بينما البعض يري أنه أسدي إليه بعض النصائح فقط،
عندما وصل أعداء الثورة إلي منزل كالفن لم يجدوا سوي كتاباته ورسائل من أصدقاء له، وعاش بعدها كالفن في حماية مرجريت دي نافار أخت الملك [7] التي بدورها كانت قد أغضبت الكنيسة بكتابها ” مرآة الروح الخاطئة” وكان كالفن قد دافع عن كتابها قبلا

في ديسمبر 1533 استطاع الكاثوليك إقناع الملك بإصدار أمر بإبادة البروتستانت ولجأ كالفن إلي لويس دو تيليت –
Louis du Tillet – عميد كلية كلاكس والذي كان ثريا يملك مكتبة ضخمة، وعاش كالفن معه خمس أشهر قرأ خلالها كتابات آباء الكنيسة الأوائل، في مايو 1534 استقال كالفن رسميا من منصبه في الكنيسة الكاثوليكية [8] ويفهم من هذا انه قد اتخذ موقفا جاسما من قضية الإصلاح
في أكتوبر 1534 وزع الإصلاحيون منشورات تهاجم طقوس القداس، وألصقت نسخة علي باب غرفة الملك، ناشد الكاثوليك الملك بملاحقة البروتستنت، فبدأت موجة من الإضطهادات، استمرت فترة، وكان من ضحايا هذا الإضطهاد أحد الأصدقاء المقربين لجون كالفن، وقد أحرق هذا الصديق حيا في بداية عام 1535[9] وفي نفس الشهر – يناير – فر كلفن إلي باسل في سويسرا وصار زعيما رسميا لحركة الإصلاح، وهناك في سويسرا أتم كتابه الشهير مبادئ الديانة المسيحية – Institutes of the Christian Religion –

الكالفنية

.
إن أس المشكلة بين كالفن والإنجيليين عامة وبين الكنيسة الكاثوليكية يرتكز علي السلطة الكنسية، ، كالفن والإنجيليون يرفضون سلطة الكنيسة، فالسلطة الكنسية وعصمتها من الخطأ رأس المشاكل، يرفض كالفن الطقوس الوثنية في الكنيسة، من أكل جسد الرب في الأفخارستيا وعبادة القديسين والقبور وكذلك عبادة الصليب، كما يرفض الخرافات التي يرويها الكهنة، لكن كل هذه السقطات سببها السلطان الذي منحته الكنسية لنفسها، لذلك يري كالفن والإنجيليين ان الكتاب المقدس يجب أن يحكم البابا وليس العكس، بمعني ان أقوال البابا يجب ان توضع في ميزان الكتاب، فالكتاب المقدس فقط هو الذي له الحكم علي الأمور الإيمانية، ومن هنا لا يعط كالفن إهتماما لأسرار الكنيسة، ويرفض الكهنوت وشفاعة القديسين، لأنها ليس لها دليل كتابي، كذلك التقليد ألرسولي يجب أن يوضع في ميزان الكتاب المقدس لأن كتبة التقليد ليسوا معصومين بينما يرفض كالفن وساطة البابا بين الإنسان والله لأنه مخالف لنص الكتاب المقدس الذي يجعل يسوع الوسيط الوحيد،

يرفض الإنجيليون أيضا سبع أسفار من الكتاب المقدس، لأنها ليست ضمن النسخة العبرية للعهد القديم، ويسمونها الأبوكريفا، يبرر الإنجيليون رفضهم لهذه الأسفار لكونها لم تكتب باللغة العبرية، التي هي لغة التوراة اليهودية وبقية العهد القديم، كما يرون أنها تحتوي علي عقائد باطلة مناقضة للكتاب المقدس، هذه الأسفار هي: سفر طوبيا، سفر يهوديت، سفر حكمة سليمان،سفر يشوع بن سيراخ، سفر باروخ، أسفار المكابيين، وهي أربعة عند الكاثوليك واثنين عند كنيسة إسكندرية، لكن الفارق تقسيمي فقط، بالإضافة تلك الأسفار، توجد إضافات في سفر دانيال وأستير ترفضها الكنائس الإصلاحية، ويعتبرها الكاثوليك والأرثوذكس وحيا مقدسا [10]

يري كالفن والإنجيليون عامة، ان الكتاب المقدس يحتوي علي جميع العقائد المسيحية فلا حاجة الي اي مصدر آخر للإيمان المسيحي، وعلي العكس يري الكاثوليك، ان الكتاب المقدس غير كامل، فبعض العقائد الضرورية ذكرت تلميحا فقط وأخرى لم تذكر نهائيا رغم أنها ضرورية للخلاص – ويظهر ان هذا الخلاف ايضا له علاقة برفض الإنحيليين للسلطة الكنسية، إذ يتخذ الكاثوليك نقص الكتاب مبررا لسلطان الكنيسة، يقولون انه بسبب عدم وصوح بعض العقائد وعدم ذكر البعض منها، يؤدي حتما الي الفهم الخاطئ للمسيحية، مما يتحتم عليه خسارة الخلاص، خاصة وان الإنسان غير كفء لفهم النصوص المقدسة أصلا، وبناء علي هذا، الله عصم الكنيسة كي تحدد الإيمان ا لمستقيم، للناس، لذلك لا يوجد خلاص أو نجاة خارج الكنيسة الكاثوليكية، الإيمان بالمسيح لا ينفعك شيئا ما لم تعترف وتقر ان البابا هو ممثل الله علي الأرض[11]

ومن هذه الأمور التي لم يبينها الكتاب المقدس أو أشار اليها تلميحا ويحوم حولها ا لضباب، عقيدة الثالوث، ألوهية الروح القدس، معمودية الأطفال،، محتوى الأسفار المقدسة القانونية، إلهام الأنبياء، حفظ الأحد عوضا عن السبت اليهودي، قداسة ذبيحة القربان، المطهر، الهكنوت وترتيبه، والأسرار الكنيسية
وبالضرورة كالفن يرفض هذه الركائز الإيمانية التي لم ترد في الكتاب المقدس، باستثناء الثالوث، وألوهية الروح القدس، بينما الإلهام والأسفار القانونية يوجد خلاف حول الأسفار الملهمة كما أشرنا سلفا، وونوه هنا ان مصطلح العقائد كما يفهمه المسلمون مخالف لمفهوم المسيحيين، ،

وكان كالفن يري ضرورة إتقان اللغة اليونانية للوصول إلي فهم أفضل للعقيدة المسيحية، بينما تعتمد الكنيسة الكاثوليكية علي الترجمات اللاتينية، – الفولجاتا – وقد قرر مجمع تريند الكاثوليكي – Council of Trent – منع الرجوع الي نسختي العبرية واليونانية، بيتما يقول كالفن ان الترجمة اللاتينية قاصرة ولا توصل إلي الفهم الصحيح للنصوص، غير ان بعض اللبراليين الكاثوليك يقولون ان قرار مجمع تريند، يقرر صحة الترجمة اللاتينية فقط ولا يمتع الرجوع اليه كما فال بعض السلف عن سوء فهم لنص القرار [12]

من ضمن المسائل الخلافية بين كالفن والكاثوليك، والتي لها أهمية خاصة، هي مسألة القربان، أو الأفخارستيا، إذ ان الخلاف حول الأفخارستيا، لم يفرق فقط بين كالفن والكنيسة الكاثوليكية، بل خالف كالفن أيضا أنصاره، وتسبب ذلك إلي شق الصف الإنجيلي، إلي طائفتين، تتبع أحداهما جون كالفن وأخرى تتبع مارتن لوثر الذي وافق الكاثوليك في بتحول الخبز والقمر إلي جسد ودم المسيح حقيقة في سر الأفخارستيا، ويصير القربان مستحق السجود،
أحيانا يبالغ البعض لأغراض طائفية فيزعمون ان البروتستانتية لا يوجد فيها طقس الأفخارستيا، وهذا غير صحيح بالمرة، فكما ذكرنا سلفا خلاف كلفن مع اللوثاريين كان حول الأفخارستيا
وعندما نتحدث عن إنكار كلفن لسر الأفخارستيا يجب ان نفرق بين الطقس وسر الطقس، فكلفن لا يرفض طقس إفخارستيا وإنما يرفض الوثنيات التي أصبغ عليها، كتحول الخبز إلي جسد الله والسجود للخبز
يري كالفن ان الخبز والخمر ترمز إلي المسيح، وكثيرا ما يطلق المرموز إليه علي الرمز في الكتاب المقدس، فالصخرة التي شرب منها بني إسرائيل في البرية، يقول كالفن ان بولس دعاها المسيح، ، إذ قال بولس في رسالته الأولي إلي أهل كورنثوس ( وقد كانت هذه الصخرة هي المسيح – 10/4 ) وسميت الحمامة الروح القدس في إنجيل يوحنا 1/32 ، ويتساءل كلفن هل الصخرة تحولت إلي الله وهل الحمامة كانت حقا الروح القدس
ويتعجب كلفن كيف انخدع البابا وأتباعه ولا يرون الصيغة البلاغية في نص الخبز، بينما يقرونه في نص الصخرة، إذ لا احد منهم يقول ان الصخرة هي يسوع حقيقة كما يقول كلفن
ويؤكد كلفن انه يؤمن باتحاد المتناول للخبز بالإله، ولكن ليس لأنه أكل الإله، لان الإله لا يؤكل ودمه لا يشرب، والخبز لا يتحول إلي إله، وإنما يحدث الإتحاد بطريقة إلهية سرية، وأما الخبز فهو مجر ذكرى وإشعار المؤمنين بأن أرواحهم تتغذى منه [13]
أما أن يتحول الخبز إلي الإله فتلك بدعة شيطانية اخترعها الشيطان ليفسد الطقس،ويفسد الدين أيضا، إذ ان وجود جسد يسوع في كل قداس في كل مكان يجعله وكأنه تحول إلي جسد هلامي لا محدود، بينما يعلمنا الكتاب ان جسد يسوع، تقدس ولكنه لم يتغير ولم يفقد صفاته البشرية، ان هذا العشق الجسدي ما هو إلا وثنية، والسجود للخبز حول الطقس إلي وثنية عوضا عن كونه قداسا [14]

في العقيدة، كان كالفن يري ان أساس الإيمان المسيحي هو معرفة الله ومعرفة الذات، الله قدوس كامل القدرة حكيم حق وعدالته مطلقة،خلق الخلق كي تخدمه ( تعبده ) ينتقم ممن لا يقدسه لكنه رحيم أيضا يقبل التائبين، كالفن افتتح كتابه قواعد الديانة المسيحية بعبارة :: الحكمة كل الحكمة عبارة عن معرفة الله ومعرفة الذات، اي معرفة الإنسان ذاته، وضعفه، [15]
معرفة الإنسان لذاته تساعد علي معرفة الله، فإدراك الإنسان لضعفه تجعله يدرك كمال الله –
يقول كالفن
لا يستطيع الإنسان النظر في نفسه دون ان يذهب فكره للتو إلي التأمل في الله
وإذا تدبر الإنسان في نفسه أدرك عظمة الله، فقرنا، عرينا، الكوارث التي حولنا كلها تدل علي عظمة الله، وتشير إلي ان وجودنا مستمد من وجوده، وكل نعمة هي منه، إن معرفة الذات لا تجعلنا نبحث عن الله وكفى بل وتقودنا إلى معرفته، ولكن أيضا، بدون معرفة الله الإنسان لا يستطيع معرفة ذاته ( أنظر هامش [13] ص 36،37 )
معرفة الله ليس المقصود منه معرفة ذاته، وإنما صفاته فالتفكر في ذات الله تفكر عقيم، يقول كالفن، وإنما يحب ان نتفكر فيما يرضيه، وما يليق به وما لا يليق، وهذا بدوره يجب ان يؤدي إلي مخافته وتوخيره ( أنظر هامش [13] ص 41،42 )
الإنسان عند كالفن، يدرك بالفطرة عمق عصيانه، فذلك منقوش في ضميره، الشرع الإلهي فطري في الإنسان، يسميه كالفن قانون الطبيعة، أما الشرعي الكتابي فقد أرسله الله ليكون شاهدا لقانون الطبيعة

القضاء والقدر في فكر كالفن

تاريخيا، كان هناك مذهبين في القضاء والقدر في المسيحية، المذهب الرسمي للكنيسة يطلق عليه نظام الأغسطيني نسبة إلي ألقديس أغسطينوس، ويطلق علي الثاني النظامي البيلاجي، نسبة إلي بيلاجيوس الذي اعتبرت الكنيسة تعاليمه هرطوقية، بيلاجوس ينكر توارث الخطيئة الأصلية ويرى ان خطأ أدم أضر به فقط، ويقول بيلاجيوس
إن الإنسان له إرادة حرة، وبإمكانه ان يعمل الخبر إن أراد ويعمل الشر ان أراد، وهم وحده مسئول عن أعماله، أما قضاء الله فمبني علي علمه السابق، فالذين علم بسابق علمه أنهم يحفظون وصاياهم عينهم للخلاص، والآخرين للهلاك،

النظام اللاهوتي الإغسطيني يقرر بان الإنسان فقد القدرة علي عمل الخير بعد أن فسدت طبيعته بمعية آدم، وصاروا يولدون بطبيعة فاسدة عاجزة عن عمل الصلاح، غير ان الله يختار بعض الناس للخلاص بمشيئته وهؤلاء ينير قلوبهم ويعينهم بالروح القدس ( انظر علم اللاهوت النظامي لـ جيمس أَنِس – الفصل 7، تعريب منيس عبد النور)
هناك جدال حول تفسير أقوال أغسطينوس، هل يقصد أن الله أختار مجموعة للخلاص وأخرى للهلاك،أم فهمت أقواله خطأ
جون كالفن، طور النظام الأغسطيني، ويؤكد أن الله أختار مجموعة للخلاص وأخرى للهلاك، وليس للعمل علاقة بالخلاص، أن الخلاص للبعض هي بحسب مشيئة الله الأزلية وفق نعمة مجانية، ويطلق عليهم النخبة المختارة، لأن الله اختارها لتنال النعمة، بغض النظر عن عمل هذه النخبة المختارة، عن سبب اختيار هذه النخبة للخلاص، يقول كالفن، لا يوجد سبب، هكذا شاء الله ، وخلاصنا مرتبط فقط بمشيئته الأزلية،وذلك قضائه دون اي أسباب سوي ان ذلك ما يرضيه [16]
قبل أن يخلق الله الخلق، قضي ماذا سيفعل بالخلق جميعا، قضي بعصيان آدم، وقضي أن تكون عقوبته الموت، واختار البعض من ذرية آدم لنفسه فأعدهم للخلاص، واختار آخرين للهلاك، فأعدهم للنار الأبدية، هذا الاختيار ليس مبنيا علي أي سبب، حتي الإيمان لا علاقة له لأن الإيمان جاء بعد القضاء الإلهي، ، فلا يؤمن إلا الذين اختارهم، [17]

محمود مختار أباشيخ

.
الهوامش

[1] Alexandre Ganoczy. in ‘the Cambridge companion to John Calvin’ p 4, 5
[2] CARLOS M. N. EIRE. WAR AGAINST THE IDOLS P1
[3] Ended Ellen G. White. The Controversy Ended pp 15,16
[4] Encyclopaedia Britannica Vol 1 P 553
[5] Theodore Beza. the life of Calvin p3
[6] Alexandre Ganoczy. in ‘the Cambridge companion to John Calvin’ p 6
[7] THEODORE BEZA the life of Calvin p7
[8] Thomas J. Davis. John Calvin Spiritual Leaders and Thinkers p 24
[9] Thomas J. Davis. John Calvin Spiritual Leaders and Thinkers p 25
[10] Charles Hodge. Systematic Theology Vol I P105
[11] Charles Hodge Systematic Theology – Volume I P104 , 124
[12] Charles Hodge Systematic Theology – Volume I P107 , 108
[13] Calvin. J. Calvin mmentaries: matt 26:26
[14] Calvin. J.JOHN CALVIN Selections from His Writings (ed) Gerald J. Larson. PP 529-531
[15]Calvin. J. Institutes of the Christian Religion
[16] Calvin. J.Treatises on the Eternal Predestination of God the Secret Providence of God :44
[17]Calvin. J. Calvin Theological Treatises. J. K. S. REID (ed) P 179

الرجوع الى قسم – الباترولوجي – آباء الكنيسة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s