بابياس أسقف هيرابوليس

بابياس أسقف هيرابوليس

 



بقلم محمود أباشيخ

ان بابياس – Papias – الذي نرفعه على ميزان الجرح والتعديل في هذا
الفصل لم تصلنا أقواله الا سطور قليلة نقلها القديس
إيريناوس أسقف ليون
 عن
كتاب مفقود ينسب لبابياس، وسجلها يوسابيوس
القصري
 في تاريخه، وقولا عن استشهاد يوحنا نقله فيليب الصيدي في
تاريخه، ورغم قلة ما وصلنا عن بابياس الا ان بابياس اكتسب أهمية كبرى
في دائرة الدراسات الكتابية وذلك لأن ما قاله لم يسبقه اليه أحد، فقد
نقل عنه القديس ايريناوس  بعد منتصف القرن الثاني أن بابياس قال ان متى
كتب إنجيلا وان مرقص دون ما سمعه من بطرس، وبذلك يكون بابياس أول شاهد
على وجود إنجيلين في الكنيسة في منتصف القرن الثاني، وفي نقله عن
بابياس , يفيد ايريناوس بأن بابياس عاصر يوحنا واستمع اليه، وأنه كان
صديقا لبوليكاربوس  الأزميري،  وفي هذا الفصل نتعرف على بابياس ونختبر
شهادته وشهادة ايريناوس عن لقاء بابياس بيوحنا؟

بابياس مجهول حتى في موازين المسيحيين، فلا نعرف له اسما سوى اسمه
الأول ولا نعرف عام ميلاده، ولا مكان ميلاده، يقول عنه حنا الفاخوري ” نكاد
نجهل كل شيء عن شخص بابياس ما عدا أنه كان معاصرا وصديقا لبوليكاربوس
الأزميري
”  [1]  حتى صداقته لبوليكاربوس ليست أكيده كما
سوف يتضح لنا في نقاشنا هذا.

المعلومات القليلة عن بابياس هي  احتمالات وتكهنات معرضة للخطأ بنسبة
كبيرة، ذلك لأن هذه التكهنات مبنية على سطور قليلة تنسب الي بابياس،
إضافة الي شهادة ايريناوس ويوسابيوس، أما إيريناوس ( Irenaeus )فقد جعل
بابياس تلميذا ليوحنا اللاهوتي، بينما نفي يوسابيوس ذلك بشدة

القديس إيريناوس في كتابه ضد الهرطقات ج5 فصل 31 Against Heresies يرد
على منكري قيامة الأجساد وفي فصل 32 يتحدث عن منطقية قيامة
الأجساد
 فالمؤمنون
عانوا في الدنيا بأجسادهم ومن العدل ان يكون جزاءهم عند البعث جسديا، و
في الفصل 33 يتحدث عن الألفية وكيف ان القيامة تكون بالجسد والروح، حيث
يتمتع المؤمنون جسديا وروحيا كل حسب عطائه في الدنيا وقد وعدهم يسوع
المسيح
 بأن يشربوا معه
الفاكهة ( الخمر ) ولن يكون الشاربون بلا جسد لأن شرب ما ينبع من ثمار
الكرمة يكون بالجسد وليس بالروح

وهنا يشير ايريناوس الي شهادة بابياس عن الألفية وقيامة الجسد بالإضافة
الي المتعة الجسدية حيث يقول

وهذه
الأمور شهد لها كتابة ( من القدامى ) بابياس الذي تلقي عن يوحنا وكان
صديقا لبوليكاربوس، قد شهد لها في كتابه الرابع وقد ألف خمسة كتب
 (ج5
فصل 33 )  [2]

المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري، في Eusebius Church History  قال ان بابياس
كان أسقف هيرابوليس
 في
فريجية الصغرى ( تاريخ الكنيسة ج3 ف 36 )  وفي (ج3 ف 39 ) اقتبس
العبارة السابقة من ايريناوس وأضاف عبارة ” أحد الأقدمين” على كلام
ايريناوس حيث قال



لا يزال بين أيدينا خمسة كتب لبابياس تحمل اسم ” تفسير اقوال الرب”
ويذكرها ايريناوس علي أساس انها المؤلفات الوحيدة التي كتبها وذلك في
الكلمات التالية ” وهذه الأمور شهد لها بابياس وهو أحد الأقدمين، استمع
ليوحنا وكان صديقا لبوليكاربوس، قد شهد لها في كتابه الرابع لأنه ألف
خمسة كتب
 (
تاريخ الكنيسة ج3 ف 39 )  [3]

من يوسابيوس عرفنا ان بابياس كان أسقفا على كنيسة هيرابوليس، ومن
إيريناوس عرفنا أنه كان معاصرا لبوليكاربوس و أنه سمع من يوحنا، ومنه
أخذ عقيدة الألفية والبعث بالجسد، بالإضافة الي المتعة الجسدية عند
البعث، فهل سمع بابياس من يوحنا وهل كان  صديقا لبوليكاربوس؟

ان ثبوت لقاء بابياس بيوحنا في غاية الأهمية بالنسبة لكاتب هذه السطور
ولكل مؤمن بقيامة الأجساد والمتعة الجسدية في الجنة، ذلك الإيمان الذي
نبذه المسيحيون بجميع طوائفهم بعد أن تبنوا الفكر الغنوصي المحتقر
للجسد، ولكن الحقائق التي أمامنا تنفي لقاء بابياس بأي أحد من
التلاميذ، ووفقا ليوسابيوس فقد أخطأ ايريناوس في قوله بلقاء بابياس
بيوحنا، بينما نرى ان إيريناوس تعمد التدليس كما أثبتنا في الفصل الخاص
بـ ” بوليكاربوس
في الميزان
 “

إننا لا نعلم تحديدا متى ولد بابياس، غير ان تاريخ وفاته يشير الى
البعد الزمني الشاسع بينه وبين التلاميذ، فقد جاء في تاريخ باسكال
Chronicon Paschale ( القرن السابع )  أنه استشهد في زمن قريب من
استشهاد بوليكاربوس، وحدد عام استشهاده ب 164  [4]  يقول العلامة لايت
فوتLightfoot,J. B, أنه إن صح هذا التاريخ فمن الصعب ان يكون بابياس قد
ولد قبل عام 80 واحتمال لقائه بالتلاميذ يكون ضعيفا جدا ( المصدر
السابق )  لايتفوت يشكك في التاريخ المذكور في تاريخ باسكال وقد بذل
مجهودا كبيرا في تخطئة الكتاب، ولكن يبقي  تاريخ باسكال المرجع الأقدم
والوحيد الذي حدد تاريخ موت بابياس، ومهما كان الأمر فيوسابيوس
القيصري، نفي اللقاء بين بابياس ويوحنا وقال ” وأما بابياس نفسه، فانه
في مقدمة أبحاثه لا يصرح باي حال من الأحوال بأنه كان مستمعا أو معاينا
للرسل المباركين، ولكن يبين في كلماته أنه تلقي تعليم الإيمان من
أصدقائهم ( تاريخ الكنيسة ج3 فصل 39 )

وقد أثبت يوسابيوس عدم لقاء بابياس بيوحنا من خلال ما قاله بابياس نفسه
وأورد الإقتباس التالي من كتاب بابياس ” و
ولكن لا أتردد أن أضع أمامكم مع تفسيري كل ما تعلمته بحرص من المشايخ
وكل ما أتذكره بحرص ضامنا صحته فإني لم أكن كالكثيرين ممن يجدون المتعة
فيمن يتكلمون كثيرا  ويرددون وصايا غريبة بل أجد المتعة بمن يذكرون
وصايا الرب الإيمانية وإن أتي أحد ممن كان يتبع الشيوخ، سألته عن
أقوالهم، عما قاله أندراوس أو بطرس أو عما قاله فيلبس أو توما  أو
يعقوب أو يوحنا أو متى أو غيرهم من تلاميذ السيد، أو ما قاله أرستيون
أو الشيخ يوحنا، لأني لا أعتقد ان ما تحصل عليه من الكتب يفيدني بقدر
ما يفيدني ما أحصل عليه من خلال الصوت الحي الدائم
 ”

وأشار يوسابيوس أن بابياس ذكر يوحنا مرتين، مرة ضمن الرسل، ومره مع
أرستيون، وفي المرة الثانية وصفه بالشيخ أو الكاهن، وقد جاء اسم يوحنا
الشيخ بعد أرستيون، ولو كان يوحنا الشيخ هو يوحنا الإنجيلي لما وضع
اسمه بعد أرستيون الذي لم يكن تلميذا، ويقول يوسابيوس ان بابياس يدعوه
بكل وضوح شيخا، أي قسا بالمصطلح الحالي، وكانت لفظة ” الشيخ تطلق على
آباء الكنيسة في عصر بابياس ( أنظر
تعليق القمص مرقص دوود في ترجمته لتاريخ الكنيسة ص 144
 )

إن نفي يوسابيوس معرفة بابياس بيوحنا ليس ادانة لبابياس بقدر ما هو
ادانة للقديس إيريناوس الذي كان دوما يسعي الي اثبات أتصال سند التقليد
الكنسي، وإن اضطر الي الكذب، ويلاحظ ان ايريناوس يصف بابياس بـ ” أحد
القدماء” ليوحي للقاريء أن بابياس عاش في عصر الرسل، رغم ان ايريناوس
يذكر أنه إلتقي ببوليكاربس صديق بابياس، ففي رسالته إلى فلورنس يقول



إني اذكرعندما كنت بعد طفلا في أسية السفلى حيث لمعت حينذاك في عملك في
البلاط، قد شاهدتك بقرب بوليكاربوس تحاول أن تكسب تقديره
 ”
( يوسابيوس تاريخ الكنيسة ج5 فصل 20 ) فاذا كان ايريناوس قد عاصر
بابياس، وربما كان تلميذا له فكيف يقول عنه أحد الأقدمين ؟

ومن الإقتباسات التي نقلها يوسابيوس لقاء بابياس بإبنتي فيلبي اللتين
ذكرتا له قصة قيامة أحد الأشخاص من الموت، وبار سابا الذي شرب سما
قاتلا لكنه لم يمت بنعمة الرب، وآثار أخرى عن يسوع لم تسجل في
الأناجيل، قال عنها يوسابيوس” تعاليم غريبة وأمور خرافية”   إضافة الي
رواية عن إنجيل العبرانيين عن إمرأة أتهمت بخطايا كثيرة، (ج5 ف 39/19 )
ونقل عنه في القرن العاشر أوكونموس (okoumenios ) قولا بخصوص يهوذا
الذي انتفخ جسده حتي انه لم يستطع المرور حيث يمكن ان تمر عربة[5]

وكان حكم يوسابيوس قاسيا على بابياس حيث قال عنه انه ” محدود الإدراك”
وأنه كان سببا في تعثر رجال الدين وتبنيهم اعتقادات خاطئة،( تاريخ
يوسابيوس ج3 ف 39 )  ويقصد يوسابيوس الإيمان بالكحم الألفي

أما أهم المقاطع التي وصلتنا عن بابياس فتتعلق بانجيلي متي ومرقص، ونقل
القولين يوسابيوس القيصري في تاريخه ج3 ف 39

قال بابياس  عن انجيل متي،


جمع متي باللغة العبرية الأقوال ( يسوع) وترجمها كل شخص حسب مقدرته

وعن إنجيل مرقص قال

[وقال
الشيخ هذا أيضاً: إن مرقص وإذ أصبح المفسِّر لبطرس، دوَّن بدقة كل الذي
تذكَّره من الأمور التي قالها وعملها الرب. ولكن ليس بترتيب، لأنه لم
يسمع الرب ولا تبعه، ولكن فيما بعد – كما قلت – تبع بطرس الذي جعل
تعاليمه توافق السامعين ولكن دون أن يقدِّم تقريراً متماسكاً عن أقوال
الرب. هكذا وبالتالي، لم تبدُ من مرقص أخطاء وهو يسجِّل الأشياء كما
تذكرها هو الآخر، لأنه جعل همَّه أن لا يسقط منه شيء مما سمع حتى لا
يسجِّل حقائق مزيَّفة في إنجيله
]   ( ترجمة النص لمتي
المسكين في شرح إنجيل مرقص ص 31 ) )

هذان المقطعان السابقان أهم ما ورد عن بابياس، فلم يسبق أحد قبله ان
قرن انجيلا بكاتبه، ومع ذلك، فإن هذان الإقتباسان قد أثارا معضلات في
غاية الإحراج للمحافظين، فالأناجيل أربعة وبابياس لا يذكر سوي إثنين
مما يعني ان إنجيلي لوقا ويوحنا لم يكتبا الي منتصف القرن الثاني، إذ
لو كان الإنجيلين قد كتبا لذكرهما بابياس .

الإحتمال الآخر هو أن بابياس لم يعترف بإنجيلي يوحنا ولوقا لذلك لم
يذكرهما، وإن كان ذكر الأسفار لا تعني الإعتراف بقدسيتها عند بابياس،
إذ انه لم ير أي قدسية لإنجيل متي ومرقس، وكان يفضل التقليد الشفهي علي
المكتوب وهذا واضح من قوله ” لأني
لا أعتقد ان ما تحصل عليه من الكتب يفيدني بقدر ما يفيدني ما أحصل عليه
من خلال الصوت الحي الدائم
” (  تاريخ يوسابيوس 3/39) ويرى
البعض أن بابياس كتب كتابه ردا على إنجيل يوحنا [6]  ويقوي هذا القول
ان بابياس تجاهل رسائلبولس أيضا،
وهذا ما ذهب اليه المطران كرلس سليم بسترس، الأب، الأب جوسيف العبسي
وحنا الفاخوري، وقالوا ” يبدو
أن بابياس كان مناهضا للغنوصية إذ لم يكن يعتمد من الكتب المقدسة تلك
التي يحلها الغنوصيون كإنجيل يوحنا وإنجيل لوقا ورسائل بولس

[7])

لكن قد يكون تجاهل بابياس لرسائل بولس أنه كان ينتمي الى مسيحيي اليهود
الذين عرفوا بالأبيونيين وكانت هذه الطائفة تعتبر بولس زنديقا محاربا
للمسيحية الأصيلة، لكن تبقي جميع هذه الإجتهادات إحتمالات والحقيقة
الوحيدة هي أن بابياس الذي كتب في منتصف القرن الثاني لم يذكر سوى
إنجيلين، فهل الإنجيلان اللذان ذكرهما هما إنجيلي متي ومرقس الذين
نعرفهما؟ أم كان بابياس يتحدث عن كتب أخرى ؟

بابياس يخبر بتدوين متى لأقوال يسوع، لكن هل ما دونه متى هو الإنجيل
الذي معنا؟ كلا، فبابياس يقول ان متى دون أقوال يسوع باللغة العبرية،
ويؤكد العلماء ان انجيل متي الذي معنا لم يكتب بالعبرية، وليس ترجمة عن
العبرية بل كتب باليونانية، وهذا قول جمع من العلماء، ويقول الدكتور
القس فهيم عزيز معبرا هؤلاء العلماء

إن بابياس يذكر أن متى كتب باللغة العبرية ولكن العارفين باللغات
يقولون إن إنجيل متى الحالي كتب أصلا بالغة اليونانية ومن السهل بمكان
أن نميز كتابا مترجما من لغة الي أخرى  [8]عن آخر كتب فى لغة أصلية
وليس مترجما

ويقول الأب
العلامة متي المسكين
 ص
27

والترجمة التي حدثت لإنجيل ق. متى من اللغة العبرية إلى اللغة
اليونانية جاء فيها (الشواهد من السبعينية) ما يوحي أنها غير مترجمة من
العبرية، بسبب أن معظم الاقتباسات التي من العهد القديم مأخوذة من
النسخة السبعينية وهي باليونانية. [9]

ويقول

الذي نقبله علمياً هو أن ق. متى لم يؤلِّف إنجيلاً بالمعنى التحريري،
ولكنه بحسب تقرير بابياس المنقول إلينا من خلال يوسابيوس: [متى كتب (أو
جمع معاً) كل الأحاديث التي تعني: “جمع أو وضع الكلام معاً في ترتيب”.
ويُلاحَظ هنا أن القديس متى لم يقم بشرح الأقوال المنقولة، ولكنه قام
فقط بتجميعها على هيئة مجموعة منسَّقة ( المصدر السابق ص 28 )

أما وصف بابياس لإنجيل مرقص بأنه غير مرتب لا يطابق الإنجيل الذي معنا،
فانجيل مرقص مرتب ومنسق – يقول العلامة متي المسكين في تفسيره لإنجيل
مرقص ص 62

“ولكن بالبحث والدراسة يقول العلماء وخاصة ستريتر: إن ق. مرقس كتب
إنجيله بانسجام كقصة، وخاصة بالنسبة لتعليم الرب. فإن بحثنا الأمر
بحثاً دقيقاً لكل كلمة وخاصة ما جاء منها بالإلهام، فإننا نجد تواصلاً
منسجماً وترتيباً واضحاً، وهذا الترتيب والتواصل يفرض نتيجة أن ق. مرقس
سجَّل تعليماً يضاهي تماماً الترتيب الذي صدر به”  [10]

ويقول في نفس الكتاب ص 66-67

“أمَّا بخصوص نقد ما جاء في بابياس أسقف هيرابوليس بخصوص أن حوادث
إنجيل ق. مرقس [ليس لها ترتيب] في حياة وتعليم المسيح، فهي تهمة تنفيها
الفحوص والبحث العلمي الموثوق به، وهي تهمة لا وجود لها وهذا بالتالي
يخلخل كل ما جاء عند بابياس ومَنْ أخذ منه. لأن نظام وترتيب الحوادث
والأقوال في إنجيل ق. مرقس واضحة ومفهومة وأنها في ترتيبها الصحيح “

هذا وقد أثار مقطع بابياس عن مرقس الكنيسة المصرية ضده، ذلك ان بابياس
نفي معرفة مرقس ومرافقته ليسوع وجعله مجرد ناقل عن بطرس، ومستعينا
بالذاكرة  الأمر الذي يثير شكوكا حول رسولية كنيسة إسكندرية

يقول الاب العلامة متي المسكين في شرحه لإنجيل مرقس

وهذا الذي ينقله بابياس عن الشيخ لا يتوافق مع كل ما نعرفه عن شخص ق.
مرقس كما تسجِّله له الرسائل، فهو كارز ومعلِّم وليس مجرد مترجم أو
مفسر بل هو » نافع للخدمة «(2تي 11:4)، » والعامل معي في ملكوت الله
«(كو 11:4). إذاً، نفهم من هذا أن هذا التقرير الذي ينقله بابياس عن
“الشيخ” لا يعطي الصورة الصحيحة عن القديس مرقس.

ويضيف

كذلك حينما نأتي إلى تقرير بابياس الذي يقول إن ق. مرقس لم يَرَ الرب
ولا سمعه ولا تبعه، نجده مخالفاً تماماً لحقيقة ق. مرقس كصاحب العليَّة
بل وصاحب ضيعة جثسيماني. وهذا الأمر ينفيه قول أسقف كليفتون السابق
ذكره: [إن بداخل إنجيل مرقس ما يؤيد أنه كتبه كشاهد عيان لأعمال
المسيح]. (ص 31 )

وكان حكم العلامة متي المسكين على بابياس أن قال  في شرح لوقا ” ولكن
بابياس كمؤرِّخ لا يُعتد به” [11]  وقال أن بابياس كان لديه قصور واضح
في ادراكه للإنجيل ( المصدر السابق ص 51 -52 ) وأيد العلامة الراهب متي
المسكين مقولة فاور الذي قال” إن التقليد المنحدر لنا من بابياس ينبغي
بكل بساطة التخلِّي عنه لأنه يعتبر تأليفاً مزيفاً” (شرح انجيل القديس
مرقس ص 20 )

الأب تادرس يعقوب ملطي يكذب مقولة بابياس المتعلقة بعدم لقاء مرقس
بيسوع ويقول

اعتمد هذا الرأي على قول للقديس بابياس عن القديس مرقس وقد ذكر عنه أنه
لم يسمع الرب ولا عاينه، إنما تبع الرسول بطرس الذي آمن على يديه. وإن
كان قد نقل بعض الآباء هذا الفكر عن بابياس، لكنه رأي خاطئ، فقد شهد
كثير من الآباء كما أكّد دارسو التاريخ الكنسي أن مار مرقس عاين الرب
وتبعه. ثانيًا: لم يكن مار مرقس كاتبًا ولا مترجمًا لبطرس الرسول في
خدمته في روما كما ادَّعَى البعض، بل إن بطرس الرسول لم يكرز في روما
وإنما  بولس
الرسول
 هو الذي كرز
بها كما يظهر من رسالته إلى روما معلنًا اشتياقه للعمل بينهم (رو 1:
10-11)  [12]

, هذا وينفي شنودة
الثالث
 صحة الروايات
المنسوبة الي بابياس جملة حيث يقول في كتابه ناظر الإله الإنجيلي مرقس
الرسول ( ص17 )

أليس عجيباً بعد كل هذا ، أن نقرأ عبارة منسوبة إلى بابياس أسقف
هيرابوليس يقول فيها عن القديس مرقس إنه : [ لا سمع الرب ولا تبعه ] !!
ثم أليس عجيباً بالأكثر أن ينقل عن بابياس مؤرخون آخرون ؟!

ويقول

وإن كان بيته هو الذى أعد فيه الفصح للرب ، وكان مرقس أحد تابعيه وقت
القبض عليه ، فكيف يجرد من الإيمان بالرب فى تلك الفترة ؟! ثم كيف يقحم
اسم أحد الآباء القدامى ـ مثل بابياس ـ فى هذه الادعاءات التى يحاولون
بها الرفع من شأن بطرس الرسول بالإقلال من قيمة مرقس 0 ويقيناً أن بطرس
الرسول لا يوافق على هذا الذى ينسب إليه 000 ( ص 28 )

ويقول ” أول رواية منسوبة للآباء في هذا المجال هي رواية بابياس التي
تقول إن أهل روما طلبوا من مرقس أن يترك لهم أثراً مكتوباً عن التعاليم
التي سبقت أن وصلتهم شفاها ( من بطرس ) !! ، [ فكتب بدون ترتيب كل ما
تذكره عما قاله المسيح أو فعله . لأنه لا سمع الرب و لا تبعه . و لكنه
فيما بعد تبع بطرس كما قلت ] . و لو صدقنا قول بابياس في أن مرقس لا
سمع الرب و لا تبعه ، كان لزاماً علينا أن نكذب عقيدة كنيستنا في
مارمرقس ، إذ تلقبه ناظر الإله” ص 124

وملخص ما سبق هو ان إيريناوس الذي ثبت كذبه هو أول من أخبر عن بابياس
سنة 190 وحاول أن يربطه بالحواريين تلاميذ المسيح
عليه السلام
، وقد أفشل يوسابيوس القصري هذه المحاولة في كتابه
تاريخ الكنيسة، ويوسابيوس نفسه هو الذي نقل إلينا جل ما وصلنا عن
بابياس أسقف هيرابوليس حسب قوله، ورغم أن شحة المعلومات لا تتيح لنا أن
نحدد بدقة عقيدة بابياس غير ان إيمانه بالألفية والنعيم الجسدي بعد
القيامة أمر مؤكد، والكنائس مجمعة علي رفض النعيم الجسدي

عدم ذكر بابياس لأسفار العهد الجديد باستثناء إنجيليي متي ومرقس، يثير
كثير من التساؤلات حول قانونية الأسفار الأخرى، وحول موقفه منها، فلعله
كان معارضا لها ولعله كان معاديا لبولس،

بينما وصف بابياس لإنجليي متي ومرقس يؤكد ان الإنجيلين كانا يختلفان عن
وضعهما الحالي

أما عن شخصية بابياس فهو محدود الإدراك بحسب يوسابيوس وكان سببا في
سقوط كثير من الآباء في بدع وهرطقات، أما العلماء المعاصرون فقد
اعتبروا أقوال بابياس غير جديرة بالأخذ بها بعد أن وجدوا أن أقواله
جميعا منافية لما توصلوا اليه، وقال العلامة فاور عن أقوال بابياس ”
إنه تقليد مفبرك مزيفً”  كنيسة إسكندرية ترفض جل أقواله خاصة في عدم
معرفة مرقس بالمسيح، قال الأب متى المسكين عنه أنه كان يعاني من  قصور
واضح في ادراكه، بينما اتهم شنودة
الثالث بعدم
 الأمانة
كل من ينقل عن بابياس، مشيرا الي خطورة أقوال بابياس على شرعية الكنيسة
القبطية المصرية

محمود أباشيخ

 M Abasheikh

[1]    حنا الفاخوري، تاريخ الفكر المسيحي عند اباء الكنيسة، ص 175

[2] Irenaeus, Against Heresies: In ”  The Ante-Nicene Fathers Vol.I
Book 5 Chapter 31,32,33

[3]   Eusebius Church History V 3 :36,39

[4]   Lightfoot,J. B, Essays on the work entitled supernatural
religion P 147

[5]   Fragments of Papias: In ”  The Ante-Nicene Fathers Vol.I P154

[6]   Conrad Gempf in ” The Anchor Bible Dictionary” V 5 P140

[7]  كرلس سليم بسترس، حنا الفاخورى، جوزيف البوليسي، تاريخ الفكر
المسيحي عند آباء الكنيسة، ص 177

[8]   عزيز فهيم، المدخل إلى العهد الجديد. ص 244

[9]   متى المسكين، شرح إنجيل القديس متى ص 27

[10] متي المسكين، شرح إنجيل القديس مرقس ص 62

[11]   متى المسكين، شرح إنجيل القديس لوقا ص 27

[12]   تادرس يعقوب ملطي، تفسير وتأملات الآباء الأولين: الإنجيل بحسب
مرقس. المقدمة


 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s