الغنوصية والرهبنة في الأناجيل

الغنوصية والرهبنة في الأناجيل

 

قلم محمود أباشيخ

أنت  جاهل .. قالها لي الدكتور حنين عبد المسيح، لاني أقول ان  بولس الرسول كان
متأثرا بالغنوصية، وان بذور الرهبنة التي يعترض عليها الدكتور حنين موجودة في
ثنايا الكتاب المقدس، ان لم يكن الكتاب يحث على الرهبنة –

الدكتور حنين عبد المسيح الذي كان شماسا في كنيسة إسكندرية القبطية، ترك
طائفته بدعوة دخول الوثنية في العبادات، وقد أفاض  د حنين الحديث عن الوثنيات
التي يعتقد انها تسللت للكنيسة في كتابه ( لماذا تركت الأرثوذكسية ) ولعل أهم
ما ذكره الدكتور حنين، عبادة الأصنام – عبادة الصليب-  عبادة القديسين
والملائكة – عبادة الإكليروس (رجال الدين)  بالإضافة إلي ذلك، يري د حنين ان
الكنيسة ابتدعت بدعة الرهبنة، علما بان الرهبنة وثيقة الصلة بالوثنية – يقول
الدكتور حنين عبد المسيح في مدخل كتابه ( بدعة الرهبنة )  فقد ابتدعت الكنيسة
الأرثوذكسية لنفسها بدعاً كثيرة واستحدثت تعاليم غربية لم تكن موجودة فى العصور
الأولى للمسيحية




خلافي مع الدكتور حنين يرتكز حول عبارته الأخيرة، اي ” لم تكن موجودة فى العصور
الأولى للمسيحية” لقد تبادلت حديثا قصيرا مع الدكتور حنين الذي أكن له كل
الاحترام، وفي حديثي معه أكدت علي ان الوثنية والرهبنة مصدرها الكتاب المقدس،
ولم تتسلل إلي الكنيسة حديثا، بينما أكد الدكتور حنين علي ان الوثنية والرهبنة
دخيلة علي المسيحية

في هذا المقال سوف نتجنب عبادة الأوثان والقديسين والملائكة، وربما نكتب مقالا
آخر حول تلك المسائل، بينما في هذا المقال سوف نناقش مسألة الرهبنة، هل لها أصل
في الأناجيل؟ وهل تأثر بولس
بالفكر الغنوصي
 والرواقية، أم
ان هذه الأفكار تسللت إلي الكنائس غير الإنجيلية بعد حقبة طويلة.

قبل مناقشة الرهبنة
في الأناجيل
 ورسائل بولس، يجب
أن أوضح أمرين أو ثلاثة، أولهما، مفهوم للإنجيل

لفظ الإنجيل لفظ مشترك  بين المسلمين والمسيحيين بمختلف طوائفهم، بالإضافة إلي
فرق أخرى قد تكون مسيحية أو لا تكون، وكل هذه الفرق تطلق لفظ الإنجيل علي
كتابها المقدس، ولكن الكتاب ليس نفس الكتاب، فإنجيل الأرثوذكسية البدائية ليس
إنجيل الأبيونيين، وإنجيل الأبيونيين ليس هو إنجيل أتباع
مرقيون
، أو أتباع بسلديس، وإنجيل المسلمين ليس هو إنجيل الأرثوذكسية
البدائية أو الأبيونيين أو أي فرقة من تلك التي ذكرناها

الإنجيل بمفهومي، هو كلام الله الموحي به إلي سيدنا المسيح عيسي بن مريم. هذا
الإنجيل، أي إنجيل المسيح لا يدعوا إلي الرهبنة حسب إيماني، مصداقا لقول الله
تعالى (وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه
رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) ( الحديد:27)

إذن، عندما نتحدث عن الرهبانية في الأناجيل فأننا نقصد الأناجيل الأربعة التي
تنسب إلي كل من متى، مرقص، لوقا ويوحنا،

ثانيا : ربما فهم الدكتور حنين عبد المسيح، اني أحاول تأكيد أصالة الرهبنة في
الأناجيل ورسائل بولس بكل عناصره، والأمر ليس كذلك، لكني أؤكد ان العهد
الجديد
 وضع بذور رهبنة، وقد
شجع بولس علي بعض جوانب الرهبنة، وقد كان متأثرا بالغنوصية

ثالثا: هناك صمات مشتركة بين الرهبة والغنوصية والرواقية، أهمها احتقار الجسد،
ولأن بولس كان متأثرا بالرواقية، وضع بذور الرهبنة

إذن ما هي مبادئ الرهبنة وما هي الغنصوية

الدكتور حنين عبد المسيح يذكر ثلاثة أركان للرهبنة في كتابه بدعة الرهبنة (
ص 16 -17 ) وهذه الأركان الثلاثة هي


1- الهروب من العالم واعتزال الناس :

2.  الهروب من الزواج وتبعاته  :

3. قهر الجسد وإذلاله :

إذا نظرنا إلي المبادئ الثلاثة التي يقدمها لنا الدكتور حنين، نري انها
جميعا تصب في مبدأ واحد وهو احتقار الجسد أو المادة، فالهروب من العالم، سببه
ان العالم مادي، والزواج شهوة جسدية، ولأن الجسد شر محض، يجب قهره،  إضافة إلي
ذلك، الرهبنة تشترط الفقر، العفة والطاعة العمياء

وكما ان احتقار الجسد، أساس الرهبنة،، كذلك الغنوصية، التي تشرح لنا سبب احتقار
الجسد، حيث يري الغنوصيون والرواقيون ان المادة شر محض، لذلك لا يتعامل الله
معها، حتى الكون لم يخلقه بنفسه، أما  روح الإنسان، فيرون أنها سماوية الأصل،
ولكن لأن الأرواح ارتكبت خطيئة في السماء عوقبت بالسجن في الجسد، وبحسب
الغنوصيين، أرسل الإله منقذا يدلها علي أصلها السماوي، فمن عرف ذلك نال الخلاص،
وهذا المنقذ ذاته ليس جسدا، بل اتخذ جسدا وهميا، فمن نال منه المعرفة نال
الخلاص ويرجع إلي أصله السماوي [1] ويشير القديس إيريناوس إلي مشاركة تبني
العنوضية فكر احتقار الزواج، حيث يقول في كتابه ضد الهرطقات 1/24 ” إنهم
يؤكدون على ان الزواج و التوالد من الشيطان، وكثير منهم يمتنعون من الأطعمة
الحيوانية
” ( اللحوم ) [2]

إنجيل مرقص، يفتتح سرده بنداء يوحنا المعمدان الذي جاء ليمهد الطريق ليسوع
المسيح، يصف كاتب إنجيل مرقس يوحنا المعمدان بالصوت الصارخ في البرية، ثم يصف
لنا نمط حياته، ويقول (وكان
يوحنا يلبس وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه ويأكل جرادا وعسلا بريا
.)

إذا ألقيت نظرة علي الصورة التي رسمها مرقص بمهارة، فاننا لا شك نرى صورة راهب،
منكوش الشعر، زاهد عن الدنيا وما فيها، بملابسه الخشنة، يطلق صرخته من صحراء
موحشة قاحلة، حتى انها سميت في العهد القديم ” جشمون” وتعني الخراب والدمار [3]

ولا يفوتنا طعام يوحنا الراهب المكون من الجراد والعسل، أنها البساطة في أبسط
أنواعهما، ولقد كان يوحنا في الثلاثين من عمره عندما أطلق صرخته، ولم يكن
متزوجا، بينما اليهود عادة يتزوج في الثامنة عشر علي الأكثر، وإلا يعتبر مذنبا،
إلا عند رهبان قمران، الذين مالوا الي الغنوصية، وكان يوحنا يعيش بجوارهم،
ويقال أنه كان منهم. يرى الأرشمندريت يوسف درة الحداد ان المعمدان يشارك رهبان
قمران فكرة التصوف والروحانية [4] )

وينقل يوسابيوس القيصري عن المؤرخ
اليهودي يوسيفوس
 شهادة عن
يوحنا، حيث قال عنه ” كان رجلا صالحا، نصح لليهود أن يأتوا وينالوا المعمودية
ويتدربوا علي الفضيلة …. لا لمغفرة خطايا معينة بل لتطهير الجسد كما تطهرت
النفس  فعلا بالبر” [5]

ونضع خطأ تحت عبارة التدرب على الفضيلة، وهي إشارة واضحة إلي طقوس الرهبان،
بينما الحديث عن تطهير الجسد ونقاء الروح من صميم الفكر الرهباني.

من خلال ما سبق نستطيع ان نقول ان مرقص حول قلمه إلي ريشة ورسم لنا صورة رائعة
للراهب يوحنا، بحيث ان الأعمى يستطيع رؤيتها، ولا شك ان وراء لوحة مرقس مغزي


يعقوب أخا الرب

شخصية أخرى في الكتاب المقدس، يعقوب، أخ الرب كما يطلق عليه، إذ كان أخا
للمسيح،  وتنسب إليه رسالة تحمل اسمه في العهد الجديد، وهو أول أسقف لكنيسة
أورشليم –  ولقد كان هذا الرجل راهبا غنوصيا كما يظهر لنا من وصف أكليمندس
السكندري له حسب ما نقله المؤرخ الكنسي يوسابيوس حيث يقول عنه أنه عاش
حياة التقشف، لم يأكل لحما ولم يحلق شعره لم يدهن جسده بالزيت ولم يستحم
 (
ص85 ترجمة مرقص داود )

يسوع المسيح والغنوصية

ترى المسيحية ان يسوع المسيح هو اللوجوس الذي به خلق الله كل شيء، يقول عنه
كاتب إنجيل يوحنا 1/1 (في
البدء كان الكلمة – اللوغس –  والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله
 )
ويقول (كل
شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان
 )
1/3

تذكر المصادر الكنسية ان كاتب هذا الإنجيل نفي إلي مدينة أفسس وكتب إنجيله
هناك، وهي نفس المدينة التي عاش فيها الفيلسوف اليوناني هيراقليطوس،(
Heraklitus ) ويعرف عن هيراقليطوس أنه أول من استخدم كلمة اللوعوس

يقول حنا جرجس الخضري


واول من استخدم هذا الاصطلاح ” لوغوس ” هو هيراقليطوس اليوناني ومن الغريب كما
يقول وليام باركلي ان هيراقليطوس الذي استخدم في القرن السادس ق م ويوحنا
الرسول الذي استخدمه ايضا  عاشا كلاهما في  قي مدينة افسس
 [6]

. احتلت كلمة اللوجوس مكانة مهمة في الفلسفة الرواقية، وفي القرن الثاني ق م
كانت المدرسة الأفلاطونية تقول أن اللوغوس خلق المادة، وقد دخلت هذه الفكرة إلي
اليهودية نفسها من خلال اليهودي أرسطبولس الذي أراد التوفيق بين الرواقية
والتوراة، [7] ولكن  فيلون
السكندري
 هو الذي ساهم في نشر
الفكر أكثر من غيره

ويري فيلون ان اللوغوس هو أقدم شيء في العالم إذ هو الإله الذي به خلق وهو
العالم وهو صورة الله،[8] يقول الخضري ” ولقد درس فيلو اليهودي  الاسكندري هذا
الاصطلاح في عرف اليهود واليونان وهو يعتقد بان اللغوس هو أقدم شيء في العالم
اذ انه الذي به خلق العالم بل هو فكر الله الذي عن طريقه يحكم الله هذا العالم
وقال انه هو ربان هذا الكون وبيده اللوغوس” [9] بينما يقول يوحنا في إنجيله
واصفا اللوغوس كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان ) إنجيل يوحنا 1/3 كما
يقول فيلو ان اللوغوس هو فكر الله الذي به يدير شئون الكون فهو ربان الكون
وبيده اللوغوس وهذا لأن الإله اسمي من ان يدير المادة بنفسه فيديره من خلال
اللوغوس الذي هو الوسيط بين الله والعالم وبه خلق كما قال يوحنا وهو نفس تعبير
الرواقيين اذ يقولون ان اللغوس هي قوة ا لله الخلاقة – ويذكر بولس ما يشابه هذا
حيث يقول( لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح
) ويقول بولس عن اللوغوس الوسيط ( الكل به وله خلق ) كلوسي 1/16 وأنه بكر كل
خليقة وهذا هو عين قول فيلو بان اللوغوس أقدم ما في العالم

هذا التشابه في العقيدة بين بوحنا ليس بغريب،إذ كان تلميذا للمعمدان الراهب،
وذلك قبل أن يتبع يسوع، ولا شك أنه تأثر بمعلمه – يقول يوسف درة الحداد

صلة
يوحنا بتعليم رهبان قمران، عن طريق معلمه الأول المعمدان، العائش في جوارهم،
ظاهرة أيضا. فيوحنا مثل المعمدان وأهل قمران ينظرون إلى الدين نظرة روحية صوفية
رمزية أكثر منها حسية . وحياتهم التي تدور في صراع بين النور والظلمة، وبين
الحقيقة والكذب، هي صبغة الإنجيل بحسب يوحنا 
[10]
“.

يقول جرجس الخضري


ولقد اعتقد الرواقيون بان اللوغوس هو قوة الله الخلاقة …… وعلى ما يظهر ان
يوحنا كان يعرف هذه الأفكار المنتشرة في عصره وفي مدينة أفسس وربما لهذا السبب
يستمعل يوحنا اصطلاحا معروفا ومنتشرا في ذلك الوقت لكي يشرح تجسد ابن الله
  [11]

مما تقدم نستطيع ان نقول أن شخص يسوع المسيح كلوجوس فكرة مأخوذة من الرواقية
التي يتبناها الغنوصيون ، فاذا كانت شخصية يسوع غنوصية الملامح فلا بد ان
تعاليمه أيضا عنوصية، فلنرى كيف صور الكتاب يسوع في الأناجيل

كان يوحنا المعمدان يعمد لتطهير الجسد كما سبق ونقلنا من يوسابيوس القيصري، لأن
الروح لا تحتاج إلي التطهير وقد ذهب يسوع قبل إرساليته يطهر جسده في البرية عند
يوحنا ( إنجيل مرقص 1/9)

ثم نجد يسوع مرة أخرى في البرية، حيث أصعده الروح ليجرب من قبل الشيطان وهناك
في البرية صام أربعين نهارا وليلا ( متى 4/1-2)  ويظهر من النص ان صيامه كان
متواصلا، لم يطعم شيئا خلال أربعين يوم، وما هذا النوع من الصوم إلا لغرض تعذيب
الجسد، لأن الجسد شر محض بحسب الفكر الغنوصي الرواقي الرهباني  ويجب أن يعذب كي
يسموا الإنسان عنه، وهذا هو المبدأ الثالث للرهبنة كما جاء في كتاب الدكتور
الفاضل حنين عبد المسيح، كما ذكرنا سلفا

بدأت إرسالية يسوع وأراد أن يجمع حوله أتباع، وألتقي بسمعان وأخيه، وكانا
يزاولان عملهما في البحر، دعاهم يسوع وقال لهما : «هلم
ورائي فأجعلكما تصيران صيادي الناس
». مرقص 1/18

لقد طلب منهما يسوع أن يتركا عملهما، وكمسحورين تركا عملهما فورا

ونفس الشيء يحدث مع يوحنا وأخيه، دعاهما فتركا أباهما في السفينة، وتبعاه،

وعندما سأله أحدهم أن يوصيه، قال له .بع
كل مالك ووزع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني
 (
لوقا 18/22 )

ويتضح هنا ان المسيحي الحقيقي يحب أن يترك العمل ويعيش فقيرا عالا علي الناس،
وهكذا كان الرهبان المتسولون غي القرون الوسطي، يعيشون علي التسول، فأنظمة
الرهبنة تشترط علي الرهبان القسم علي الحياة في فقر والعفة والولاء الأعمى،
وذلك لأن يسوع عاش فقيرا لا يعمل وكان عالا علي النساء يتصدقن عليه بحسب إنجيل
لوقا 8/3)  فالغني يستحيل ان يدخل الملكوت، و دخول جمل من ثقب ابرة أيسر من ان
يدخل غني إلى ملكوت الله ( لوقا 18/25 )

ويشترط يسوع علي أتباعه أن يبغض كل الناس حتى نفسه


ان كان احد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته واولاده واخوته واخواته حتى
نفسه أيضا فلا يقدر ان يكون لي تلميذا
 (
لوقا 14/26 )

إن الدعوة إلي بغض الجميع هي دعوة إلي اعتزال المجتمع، وربما لم يقصد الكاتب ما
يظهر من العبارة، ربما خانه التعبير، وأراد ان يلتزم الأتباع محبة يسوع أكثر من
غيره، غير اننا نرى ما يؤيد الفهم الأول في الرجل الذي سأل يسوع أن يمهله حتى
يدفن أباه

قال له أحد التلاميذ : يا سيد ائذن لي أن أمضي أولا وأدفن أبي ( متى 8/21) وكان
جواب يسوع أن قال له : اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم ( متى 8،/22 ) وطلب
أحدهم من يسوع أن يمهله حتى يودع أهله، فلم يوافق علي طلبه بل قال له : ليس
أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله
 (
لوقا 9/62 )

يقول د حنين ( في حوار مع الكاتب ) ان أمر يسوع لليهودي ببيع أملاكه والتصدق
بها خاص للسائل فقط وليس أمرا للجميع

أقول: كلا .. لقد أمر يسوع بنفس الأمر ووجه كلامه للجميع في لوقا 12/33

بيعوا
ما لكم وأعطوا صدقة. اعملوا لكم أكياسا لا تفنى وكنزا لا ينفد في السماوات حيث
لا يقرب سارق ولا يبلي سوس
 )

ما لكم وما مال الدنيا .. لا تهتموا لحياتكم بما تاكلون وبما تشربون.ولا
لاجسادكم بما تلبسون، يكفيكم وبر الإبل، لا داعي للعمل، طعاعكم علي الله عن
طريق الصدقات، الزرع ينبت لوحده دون ان يكلف نفسه مشقة العمل

تلك رسالة يسوع في إنجيل متي (6/25-28 ) ويعلل إنجيل يوحنا هذه التعاليم بحقارة
الجسد (.اما
الجسد فلا يفيد شيئا
 ) 6/63
) لكن الروح هي التي تحيي

وهذه النصوص لا شك انها توحي بان يسوع يدعوا إلي اعتزال المجتمع، وهو المبدأ
الثاني للرهبنة بجيب كتاب الدكتور حنين عبد المسيح

أقوال يسوع المسيح في الأناجيل قليلة ويمكن ان تجمع في بعض الصفحات، ومن يقرأ
الأناجيل يكتشف أن يسوع ركز فقط حول الوصول الملكوت، وتجاهل حياتنا الدنيوية،
أنتقد وضع المجتمع لكنه لم يقدم الحلول، ولم يكن لديه برنامج، وصاياه كلها
عبارة عن رقائق، طوب المساكين ، الحزانا، الودعاء الرحماء الجياع العطشى،
الأتقياء، المطرودين وصانعي السلام،

هذه التعاليم جميلة ولكن، يسوع لم يقدم حلا للجياع والعطاش، حث على الرحمة
والوداعة لكنه لم تجاهل وجود القساة والغلاظ الرقبة، منع الطلاق لكنه لم يعطنا
حلا للمشاكل الزوجية، عندما طلب منه أحدهم التدخل لحل مشكلة عن الإرث، قال له
فقال له يا انسان من اقامني عليكما قاضيا أو مقسّما ( لوقا 12/14 ) دعا إلي
السلام لكنه تجاهل حتمية وجود الخصام بين أبناء النور وأبناء الظلام علي الأرض،
باختصار، يسوع المسيح أراد أن نكون سماويين، لكنه لم يعلمنا كيف نتعايش مع أهل
الأرض، لأن الأرض مادة والمادة شر محض بحسب الفكر الغنوصي، وكان علي المسيحيين
ان ينتظروا القديس
أغسطينوس كي
 يعلم أبناء مدينة
الله كيفية التعايش مع مدينة الشيطان في كتابه الشهير مدينة الله

نري ان الأناجيل تجنبت الحديث عن الحالة الاجتماعية ليسوع المسيح،
ويري المسيحيون ان المسيح لم يتزوج قط في حياته، كما ان الأناجيل لم تذكر
الحالة الاجتماعية لأي واحد من تلاميذ يسوع، باستثناء بطرس الذي ذكر إنجيل مرقص
حماه

تري لماذا لم يتزوج يسوع؟

عندما سألت الدكتور حنين عن ذلك، قال أن يسوع ليس له وقتا لزواج، وهذا الجواب
كعدمه، فان الأنبياء كلهم تزوجوا وكان علي عاتقهم مسئوليات أكبر من مسئوليات
يسوع، الذي لم يأت سوي بالرقائق

سألته : ماذا لو تزوج؟ رفض الدكتور حنين يرد

إن رفض الدكتور ان يرد فان الكتاب قدم لنا الرد، ففي سفر التثنية 24/3،4 يوصف
الكتاب الزواج بالنجاسة، وكذلك رؤيا يوحنا يعتبر الزواج نجاسة ( 14/3)  لذلك
يوصي يسوع أتباعه بالخصي (ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات. من
استطاع أن يقبل فليقبل ) متى 19/12 ) وهذا ما يسميه الدكتور حنين عبد المسيح،
المبدأ الثاني في الرهبنة، اي الهروب من الزواج وتبعاته، وهو مبدأ أصيل أيضا في
الفكر الغنوصي. يقول القديس إيريناوس واصفا العنوصيين ” أنهم
يقولون أيضا أن الزواج والتوالد من الشيطان، وكثير من أتباع هذا الفكر يمتنعون
عن الأطعمة الحيوانية
 (
اللحم ) ”

وفي الفصل السادس من نفس الكتال، يقول القديس إيريناوس عن الغنوصيين أنهم
يقولون: كل من يعاشر إمرة لن يهتدي إلي الحقيقة
 [12]

يسوع الأناجيل قلل من شأن الزواج في الدنيا كما ذكرنا، أما في الآخرة فيفهم
المسيحيون انه نفاه تماما، وقد بنوا فهمهم علي حوارا جرى بين يسوع والصدوقيين،
حيث سأل الصدوقيون المسيح عن إمرة تزوجت بعدد من الرجال، ” ففي القيامة لمن من
السبعة تكون زوجة.فانها كانت للجميع” وكانت إجابة يسوع ” في القيامة لا يزوجون
ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء” ( متى 22/30 )

إن صح مفهوم النصارى لهذا النص، فانه ينم عن فكر غنوصي بحت، وقد استشهد
الغنوصيين بهذه النصوص لإنكار البعث بالجسد، يقول القديس
يوستينوس الشهيد في سياق
 رده
علي الغنوصين، أن أصحاب الفكر الخاطئ يقولون انه لا توجد قيامة
الجسد
 يعللون دعوتهم باستحالة
إعادة ما تم فساده وتحلله إلي ما كان عليه, إضافة إلي قولهم بأن قيامة الجسد
شيء سلبي, حيث أنهم يحتقرون الجسد – ويقول يوستينوس ان الغنوصيين يقولون : أنه
مناف للعقل ان يقوم كامل الجسد وقد أخبرنا المخلص ” أنهم لا يزوجون ولا يتزوجون
بل يكونون كالملائكة ” ومعلوم ان الملائكة ليس لها أجساد ولا تأكل ولا تمارس
الجنس, وعلي هذا الأساس يستنتجون بأنه لا توجد قيامة للأجساد [13]

نلحظ أن الغنوصين يستدلون بنفس النصوص الذي يستدل به المسيحيون علي
احتقار شأن الزواج واعتباره نجاسة، وهذا الاحتقار مجمع عليه، ونقصد منع
المعاشرة الزوجية في الآخرة، ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا طائفة المارمون، وهذه
الطائفة لا يعترف بها المسيحيون، ويعتبرونهم مارقون عن الدين

نلحظ ان آباء الكنيسة الأوائل ردوا علي الفكر الغنوصي في مسألة الجسد، ولكن نجد
انهم مترددون لا يثبتون علي رأي، وقد مالوا إلي البتولية وفي أحسن الحالات
اعتبروا ان الزواج حسن ولكن البتولية أفضل، فهذا العلامة ترتليانوس يقول في
سياق الرد علي مارقيون، نحن لا نمنع الزواج ولكن نمتنع عنه فقط [14] وفي كتاب
الحث على العفة يقول ترتليانوس ان الزواج زنا مشروع – [15]


أغناطيوس الأنطاكي
 يصف إكليمندوس
الروماني
 بالطهارة لأنه لم
يتزوج، ويعيب علي المتزوجين [16] أغناطيوس في رسالته إلي فليدلفيا يقرر ان
الزواج وضع فقط من اجل التكاثر ليس إلا [17]

يوستينوس الشهيد الذي رد علي الغنوصيين في انكارهم لقيامة الجسد، نجده في دفاعه
الأول يمدح البتولية ويستدل عليها بصحة المسيحية [18]

الأمر لا يختصر علي الأباء الذين ذكرناهم بل القائمة طويلة لكن اكتفينا بهم لأن
المقال خاص بالأناجيل إضافة إلي كون الدكتور حنين لا يقر بالتقليد، وعرضنا من
ذكر هؤلاء الآباء هو فقط من أجل أن نوضح فهم الآباء للنصوص التي اعتمدنا عليها،
وكي نؤكد أيضا ان مسألة الرهبنة والتأثير العنوصي ليس بدعة في المسيحية، بل
مستدل عليه من الأناجيل، ورسائل بولس التي لم نناقشها للسبب الذي ذكرناه سالفا،
في نفس الوقت، من المهم أن نذكر ان بولس اعتبر البتولية أفضل من الزواج حيث
يقول لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا، بمعني ممتنعين عن المعاشرة الزوجية
( 1كو 7/7 ) وفي 1كو7/33 وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته

يجب أن ننوه اننا لا نقصد ان نقول أن يسوع الأناجيل كان راهبا غنوصيا بالمفهوم
الحاضر، غير أن التعاليم المسيحية متأثرة بالغنوصية، يسوع لم يعتزل في دير،
لكنه لم يكن لديه منزلا يأوي إليه ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما
ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” ( متى 8/ 20) كان يعيش علي الصدقات، أمتنع
عن الزواج وحث علي البتولية، لم يهتم بشؤون رعيته الدنيوية، ولم يعر اهتماما
للعمل، صيامه أربعين يوما صياما متواصلا تعذيب للجسد، تماما كما كانت طريقة
الصلب البشعة،وفوق ذلك كله المسحة الغنوصية علي مفهوم اللوجوس، ونستطيع ان نقول
بعد نقاشنا أن الرهبنة والعنوصية مؤيدة بالأناجيل، وليست بدعة كما يري دكتور
حني عبد المسيح، وإن كانت بدعة بالمفهوم الإسلامي

محمود أباشيخ

[1] حنا جرجس الخضري، تاريخ الفكر المسيحي. المجلد 1 ج3 ص396

[2] Irenaeus, “Against Heresies” 1:24  In The Ante-Nicene Fathers Vol.1
P349

[3] وليام باركلي، شرح إنجيل مرقص ص28

[4] يوسف درة الحداد، صوفية المسيحية في الإنجيل بحسب يوحنا ص75

[5] يوسابيوس القصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقص داود ص 42

[6] حنا جرجس الخضري  تاريخ الفكر المسيحي، المجلد الأول –  ج3 ص 392

[7] Thomas H. Tobin. “Logos” in The Anchor Bible Dictionary.Vol. 4, Page 350

[8] ibid

[9] حنا جرجس الخضري  تاريخ الفكر المسيحي، المجلد الأول –  ج3 ص 392

[10] يوسف درة الحداد، صوفية المسيحية في الإنجيل بحسب يوحنا ص75

[11]حنا جرجس الخضري  تاريخ الفكر المسيحي ، المجلد الأول ج3 ص 393

[12] Irenaeus. Against Heresies 16in ANF Vol.1  P325

[13] Justin Martyr,’ on the Resurrection ch 2. In The Ante-Nicene Fathers
Vol.1 P 294

[14] Tertullian. Against Marcion 1:29. in The Ante-Nicene Fathers Vol. 3
P.353

[15] Tertullian On Exhortation to Chastity c 9 in The Ante-Nicene Fathers
Vol.4 P 55

[16] Ignatius, The Epistle to the Philadelphians  c 4 in The Ante-Nicene
Fathers Vol.1  P. 81

[17] ibid

[18] Justin Martyr. The First Apology of Justin  C15 in The Ante-Nicene
Fathers Vol.1  P. 172

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s