الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة

الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
تعليقات الهامش / محمود أباشيخ

حينما تم ترشيح يوحنا فم الذهب وصديقه باسيل للأسقفية، رفض القديس يوحنا الذهبي الفم الرتبة الكهنوتية, ولأنه لم يرد أن يصل خبر رفضه إلي صديقه باسيل، حوفا من ان يرفض هو بدوره، قرر يوحنا فم الذهب أن يكذب علي صديقه، فلما اكتشف الصديق خداع القديس كتب يوحنا فم الذهب كتابه الكهنوت المسيحي، وخصص البابا الأول لشرح موقفه من الكذب والخداع، ويري يوحنا فم الذهب ان الكذب مسألة نسبية، وأن الكذب قد يكون أحيانا واجبا دينيا لإستمالة النفوس الي المسيح، راجع مفال يوحنا فم الذهب .. يوحنا فم الكذب
محمود أباشيخ

الكذب .. السر الثامن

من كتاب الكهنوت المسيحي من صفحة 26 – 31 النسخة العربية لدار الجيل للطباعة

القديس يوحنا ذهبي الفم

تري ما هو الخطأ الذي ارتكبته في حقك ؟
هل هو لأني خادعتك وأخفيت عنك غرضي ؟ ولكني فعلت هذا لفائدتك أنت يا من خدعتك، ولفائدة الذين سلمتك إليهم عن طريق هذا الخداع , لأنه إذا كان الخداع شرا مطلقا وليس من الصواب أن نسلك فيه فاني على استعداد على ان أتحمل أيه عقوبة ترضيك
ولكن لم يكن هذا الأمر ضارا باستمرار، بل يعتبر نافعا أو ضارا بحسب نية الذين يفعلون، لذا يجب ان تكف عن شكواك من خداعي لك .. لأن الحيلة في وقتها المناسب وبقصد مستقيم لها فوائدها

وإذا فحصت تاريخ القادة الذين تمتعوا بسمعة عظيمة منذ أقدم العصور، سوف تجد أن أعظم انتصاراتهم بالخدعة، وأنهم نالوا إعجابا أكثر من الذين يمتثلون بالحرب المباشرة، لأن الآخرين يزودون معسكراتهم بالكثير من المال والرجال، لذا فانهم لا يفيدون شيئا من انتصارهم، ولكنهم يعانون من الخسائر ما يعانيه المنهزمون، إذ يضحي كلاهما بالجيوش، و يتكبد النفقات . وإلي جانب هذا، فانهم لا يفرحون بكل أمجاد النصر، لأن المنهزمين يشعرون في أنفسهم ان هزيمتهم مادية فقط.
أما الذي يستطيع ان يحرز النصر عن طريق الحيلة، فانه يورط العدو لا في كارثة فقط بل في سخرية أيضا
أمر آخر لا يقل أهمية، هو أنهم يحتفظون للدولة بانتصار حقيقي، لأن الكثرة في العتاد والوفرة في الرجال ليست مثل القدرة العقلية، فاذا استخدمت الأولي في الحرب، فانها بالضرورة سوف تستهلك ولا تعود تنفع بشيء، أما طبيعة الحكمة فانها تزداد كلما نستعملها
وحاجتنا إلي الحيلة ليست فقط في أوقات الحرب بل وأيضا في أوقات السلم، وليس فقط في شئون الدولةـ بل أيضا في الحياة الخاصة، في تعامل الزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها، والابن مع أبيه، والصديق مع صديقه، والأولاد مع والديهم. فما كان يمكن لإبنة شاول أن تخلص زوجها يد أبيها (1) إلا عندما خدعته، وعندما أراد أخوها أيضا أن ينقذه مرة أخرى من الخطر، عاد ليستخدم سلاح الزوجة ذاته (2)

باسليوس : ولكن واحدة من هذه الحالات لا تنطبق علي، لأني ليست عدوا ولا واحدا من هؤلاء الذين يحاولون أن يوقعوا بك الضرر، بل على النقيض، فقد أخضعت كل أموري لرأيك، وكنت دائما أطيع ما تشير علي

يوحنا ذهبي الفم : ولكن يا سيدي القدير المحبوب، ان هذا هو نفس السبب الذي جعلني ان احرص أن أقول، أنه كان من الصالح أن أستخدم هذا الصنف من الاحتيال، حتى في معاملة الأصدقاء والأعزاء، والدليل على هذا، أنك اذا ذهبت إلي أحد الأطباء وسألته كيف يعالجون المرضي من أمراضهم، فانهم يخبرونك أنهم لا يعتمدون على مهارتهم فحسب، بل أحيانا يقودون مرضاهم إلى الصحة، باستخدام الحيلة، ويستعينون بها مع فنهم
وإذا سمحت لي فسوف أقص عليك، مثلا واحدة من أمثلة كثيرة في الخداع، سمعت أهل الطب استخدموها
رجل انتابه فجأة حمى خطيرة جدا، وارتفعت حرارته جدا، ولكن المريض رفض العلاج الذي يمكن ان يخفض درجة الحرارة، وألح في طلب جرعة من الخمر، متسولا من الجميع ان يقدموها له، ويمكنوه من إشباع هذه الرغبة القاتلة، أقول قاتلةـ لأنه لو استجاب أحد لهذا الطلب، فان هذا لا يسبب زيادة الحمي فحسب، بل يقود إلى الجنون
عندئذ عندما فشلت المهارة الفنية، هنا تدخلت الخدعة … أحضر الطبيب أناء فخاريا أخرجه للوقت من الفرن وغمسه في الخمر، وأخرجه فارغا، ثم ملأه بالماء، وأمر بإظلام الحجرة التي يرقد فيها المريض بالستائر حتى لا يفضح الضوء حيلته، ثم قدم له الإناء ليشرب مدعيا أنه مملوء يخمر خالصة، وقبل أن يتناوله الرجل بكلتا يديه، خدعنه الرائحة، ولم يتمهل ليختبر ما قدموه له، بل اقتنع بالرائحة وخدع بالظلام وتجرع الكأس بلهفة، ولما ارتوى بها تخلص في الحال من إحساسه بالاختناق، وأنقذ من الخطر الذي كان على وشك الحدوث . ألا ترى ميزة الخداع؟
واذا أراد أحد أن يحصي حيل الأطباء لأستطالت القائمة بلا حدود. وليس فقط الذين يعالجون الجسد، بل أيضا الذين يعالجون الروح قد نجدهم دائما يستخدمون هذا العلاج. فبولس المبارك، لكي يستميل شعب اليهود ختن تيموثاوس (3) رغم أنه حذر الغلاطيين في رسالته ان المسيح سوف لا ينفع الذين اختتنوا شيئا. لهذا السبب أطاع الناموس رغم أنه حسب البر الذي في الناموس خسارة بعد نوال الإيمان بالمسيح،(4) لأن فوائد الحيلة كثيرة الا اذا كانت بنية شريرة، والحقيقة ان عملا من هذا النوع لا ينبغي ان يسمي خداعا بل هو نوع من التصرف الحسن والنبوغ والمهارة القادرة ان توجد السبل جين تفشل الحيل، ونجد مخرجا لما يعجز عنه الفكر. لأني لا أسمي فيناحاس قاتلا، رغم أنه قتل اثنين بضربة واحدة (5)، ولا إيليا، بعد أن قتل مائة جندي مع قوادهم، وأراق بحرا من الدماء عندما قتل هؤلاء الذين عبدوا الشياطين.(6) لأنه اذا جاز لنا ان نقبل ان نختبر الأفعال مجردة في ذاتها بعيدة عن نية فاعليها، لأمكن لأحد اذا أراد ان يحكم على إبراهيم بجريمة قتل الطفل،(7) ونتهم كل من حفيده وسليله بالشر والغدر، لأن الأول أخذ البركة (8) والثاني حول ثروة المصرين لجماعة بني إسرائيل (9) ولكن ليس الوضع كذلك، بل لنستبعد هذه الفكرة الظالمة، لأننا ليسنا نعفيهم من الملامة فحسب، ولكننا نعجب بهم، لأجل هذه الأمور، والله أيضا يمدحهم، لأجلها لأن الرجل الذي يجب أن يسمي محتالا بحق هو الذي يستعمل هذا الأمر لغرض شرير، وليس الذي يفعله بغرض صالح، بل كثيرا ما يكون اللازم ان نستخدم الحيلة ونحقق بها اكبر قدر من الفائدة، في حين ان الذي يسلك طريقا مستقيما قد يصيب الشخص الذي لم يخدعه بضرر كبير

يمكننا أن نبرهن بالدليل القاطع أنه من الممكن المخادعة لأجل هدف صالح، أو على الأصح لا تسمي خدعة في مثل هذا الظرف بل هو نوع من التصرف الحسن جدير بكل إعجاب

يوحنا ذهبي الفم

(1)هذه القصة مذكورة في سفر صموئيل الأول .. الزوجة هي ميكال ابنة شاول وزجة داؤد عليه السلام، شاول أراد قتل داؤد لكن ابنته خدعته وقامت بتهريب زوجها
(2)يوناثان ابن شاول أنقذ داؤد عليه السلام زوج أخته
(3) اعمال الرسل 16/3 وفي 21/20 نجد التلاميذ كانوا يخشون المجاهرة بعدم ضرورة حفظ عادات الناموس أمام مسيحي الختان حتى لا يشككوا في المسيحية، بل ان يعقوب اقنع بولس ان يتظاهر بحفظه للناموس أمام هؤلاء القوم
(4) في رسالة غلاطية يقول بولس ناسخا للختان : ها أنا بولس اقول لكم انه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا، لكنه ختن تيموثاؤس كما جاء في سفر أعمال الرسل 16/3 ” فاراد بولس ان يخرج هذا معه فاخذه وختنه من اجل اليهود” أي تظاهر بايمان ما لا يؤمن به (نفاق )
(5)هو فينحاس بن ألعازار بن هارون النبي، قتل إثنين من بني إسرائيل بعد إرتداد اليهود وعبادتهم لآلهه موآب – راجع سفر العدد 25
(6)سفر الملوك الأول 18/40 ” فقال لهم ايليا أمام امسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم رجل. فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى نهر قيشون
(7) يشير إلى أمر الله بذبح إسماعيل أو اسحاق بحسب سفر التكوين
(8) يشير إلي يعقوب، وبحسب سفر التكوين 27 يعقوب احتال على أبيه لينال منه البركة، وكان أبوه اسحاق عليه السلام الذي ضعف بصره ينوي مباركة عيسو أخ يعقوب، فزعم يعقوب أنه عيسو ودعا له اسحاق بالبركة، والقارئ اللبيب يعلم ان القصة خرافية فالبركة لا تنال بالخدعة لأن مصدرها الله الذي يعلم السر وأخفي
(9) يشير الى موسي عليه السلام وبحسب سفر الخروج موسى أمر اليهود بسرقة ذهب المصريين كما أمره الإله – راجع الخروح 3/22، 11/2 ، 12/36

الرجوع الى قسم – الباترولوجي – آباء الكنيسة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s