بولس الرسول كبير الغنوصيين

بولس الرسول كبير الغنوصيين

قلم محمود أباشيخ

في الجزء الأول من هذا المقال، ناقشنا الفكر الغنوصي في الأناجيل الأربعة، وتحدثنا عن عدة شخصيات كتابية كنموذج، يوحنا الإنجيلي وفكرة اللوغوس الرواقية الأصل، ويوحنا المعمدان الذي جاور رهبان قمران، وعاش حياة البتولية والتقشف، وكذلك يسوع الذي عاش حياة التقشف والبتولية، وحث عليها، كما شجع علي عدم العمل، مع عدم الاهتمام بشؤون الدنيا، إذ كانت كل وصاياه عبارة عن رقائق، في القسم الثاني من مقالنا، سوف نناقش الفكر الغنوصي في رسائل بولس،

عرفنا في القسم الأول من هذا المقال، ان الذي يجمع الرواقية، الغنوسية والرهبنة، هو اعتبار الجسد شر، نتيجة لذلك نادوا بالبتولية وقهر الجسد، وهذه التعاليم نجدها في ثنايا رسائل بولس، وقد اعتمد عليها كل الغنوصيين؛ حيث اعتبروا بولس معلما لهم حتى قال عنه العلامة ترتليانوس ” الرسول الذي يتبعه مهرطقوننا” [1]
ولد بولس الرسول تقريبا عام 3 ق م في مدينة طرسوس من أسرة يهودية يونانية الثقافة، سفر أعمال الرسل ينسب إلي بولس القول ” أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس من قيليقية” 22/3 – وكان بولس يحمل الجنسية الرومانية حيث أشار كاتب أعمال الرسل إلي ذلك في عدة أماكن (16/37 , 22/25، 23/27 ) كان أبوه موظفا في الدولة، ويحمل الجنسية الرومانية، وبولس هو اسمه الروماني، بينما اسمه اليهودي شاول، كاتب أعمال الرسل يدعوه شاول كثيرا ويخبرنا أنه يحمل اسم بولس أيضا في 13/9 – أما بولس ذاته فلم يستخدم إلا اسمه الأجنبي، ولم يذكر اسمه اليهودي ولا مرة في جميع رسائله

القارئ لسفر أعمال الرسل ورسائل بولس، يلاحظ سعي الكاتبين إلي التأكيد علي الهوية اليهودية لبولس وعلي غيرته الشديدة التي دفعته للتنكيل بالمسيحيين وحتي قتلهم، فهو يؤكد على أته عبراني من العبرانيين ( فلب 3/5 ) ومرة أخرى يؤكد عبرانيته في 2كو 11/22 ” أهم عبرانيون؟ فأنا أيضا. أهم إسرائيليون؟ فأنا أيضا. أهم نسل إبراهيم؟ فأنا أيضا” يؤكد اسرائليته في رو 11/1 ” أنا أيضا إسرائيلي من نسل إبراهيم من سبط بنيامين، ويؤكد مرة أخرى انتمائه لسبط بنيامين في فليبي3/5 ” من جنس إسرائيل، من سبط بنيامين” و من جهة الختان مختون في اليوم الثامن بحسب الشريعة اليهودية، وفي أعمال الرسل ” إنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية” في غلاطية 4/28 يفتخر بانتمائه لنسب إسحاق أبناء الموعد، وينفي وجود اي شائبة في نسله فهو ليس ابن إسحاق من الأب فقط، بل ومن الأم، فأمه ليست هاجر الجارية، بل الحرة سارة غلاطية 4/31.” ولقد عاني كثيرا من اجل رجاء إسرائيل (أ ع 28/20 )
ويؤكد على غيرته للناموس، فهو مذهبيا كان ينتمي إلي الفريسيين المتشددين،” أيها الرجال الإخوة إنا فريسي ابن فريسي.على رجاء قيامة الأموات أنا أحاكم” أ ع 23/6 ،ويؤكد مذهبه الفريسي في (فل 3/5 ) ومن غيرته علي اليهودية إضطهد المسيحيين ( فل 3/6 ) ويؤكد ذلك مرة أخرى في رسالته إلي غلاطية 1/13 ” اني كنت اضطهد كنيسة الله بافراط واتلفها” نهب الكنائي (أ ع 8/3) قيد المسيحيين وجرهم إلي السجون، نساءا ورجالا، لقد اضطهدهم حتى الموت (أ ع 22/4 ) كان بولس ينفث تهدّدا وقتلا على تلاميذ المسيح ( أع 9/1 ) ولما رجم اليهود استفانوس، احد تلاميذ المسيح، قلع الشهود ثيابهم عند رجلي شاب يقال له شاول ( أ ع 7/58 ) وليس هذا الشاب سوي اليهودي البنياميني الناموسي الغائر الذي يدعى بولس الذي تقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابه بين بني قومه، إذ كان أكثرهم غيرة علي التقاليد بحسب قوله في رسالة غلاطية 1/14، بل ان سفر أعمال الرسل يخبرنا أن بولس الرسول جلس عند اقدام أعظم علماء اليهود في عصره، حيث ينسب إلي بولس القول ” ولكن ربيت في هذه المدينة مؤدبا عند رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي وكنت غيورا للّه كما انتم جميعكم اليوم” (22/3
تلك هي صورة بولس في أعمال الرسل ورسائله، فهل هي صورة تتوافق مع الحقيقة؟ هل كان بولس حقا فريسيا متطرفا عكف علي دراسة الكتب المقدسة، نهب الكنائس، جر النساء إلي السجون، وقتل الحواريين تلاميذ المسيح؟
ربما هذه الصورة التي رسمها لوقا وبولس لنفسه، فيها الكثير من المبالغة، وربما تلك صورة حقيقة لبولس قبل التنصر، ولكن هناك إشكال حول الدوافع، ولا يمكن ان نقبل داقع الغيرة علي الدين باطمئنان، فغيرة بولس علي الدين وتشدده، وتعمقه في التقليد، لا تتوافق مع حقائق أخرى نعرفها عن بولس.
اقد كان بولس يهوديا يتمتع بالجنسية الرومانية، ولد في طرسوس، وكتابته تظهر أنه درس في الجامعات الرومانية حيث كان يتمتع بالجنسية الرومانية، ويعمل أبوه في الدولة.يحيك الخيم للجيش الروماني، أي أنه كان عميلا للعدو، وليست العمالة من شيمة الغيورين الذين تربوا على المذهب الفريسي، ولا شك ان العميل لا يربي ابنه تربية يهودية فريسية، فلم تكن تربية بولس تربية يهودية ، بل يونانية هيلنسية رواقية غنوصية
يقول يوسف درة الحداد في كتابه دفاعي فلسفة المسيحية الرسول ورسائله ”
فهو يكتب اللغة اليونانية ارتجالا ويستخدم أحيانًا استشهادات من حكمائها وشعرائها. ويستخدم أيضا للتعبير عن العقيدة المسيحية تعابير الحكمة والغنوص كعليم بهما. ونعرف من رسائله أنه أتقن اليونانية خطابة وكتابة بكل أساليبها [2]
ويقول في نفس الكتاب، ص. 210 – أن بولس يفكر ويعبر باليوناني لا السامي، فاليونانية سليقة عنده وفي ص 219 يقول درة الحداد ” نشأ بولس في بيئة هلنستية، في مدينة جامعية، على قسط وافر من الثقافة اليونانية. فنراه في رسائله يفكر على الطريقة اليونانية، ويكتب بأسلوب إغريقي؛)
ولا أظن أننا نجانب الصواب اذا أضفنا على كلام درة الحداد، أن بولس كان أيضا يحلم باليوناني

الدراسة الجامعية في تلك الحقبة كانت تستغرق عشر سنوات، بينما دراسة التوراة أطول من ذلك، ثلاثة عشر سنة فأكثر، ومما لا شك فيه انه لم يكن في فلسطين اثناء حياة المسيح عليه السلام، إذ انه لم يعرفه إلي بعد رفعه، واثناء مقتل استفانوس كان عمر بولس حولي ثلاثين عاما، وبناء علي ذلك، يستحيل ان يجمع بولس في هذا العمر، الدراستين في بلدين مختلفين
وهناك كثير من النصوص التي تشير إلي عدم معرفة احد ببولس في أورشليم.
بداية، رسائله تصوره في صورة ضيف حل علي المدينة، وليس قاطنا فيها، وعندما زار بولس أورشليم والتقي بيعقوب، زار الهيكل ولم يتعرف عليه أحد من رجال الدين داخل الهيكل، والذي تعرف عليه هم يهود آسيا (أ ع 21/27 ) والعسكر لم يتعرفوا عليه، ولما تكلم بالعبرية بدأ الناس يستمعون إليه، لأنه تكلم بالعبرية، أي أنهم لم يكونوا يعرفون انه يجيد العبرية، وهذا يشير إلي أمرين مهمين، أولها أن لا احد يعرف بولس في أورشليم، حيث يقطن معلم العصر غمالائيل، ويشير أيضا إلي ميل أبناء الشتات إلي الثقافة اليونانية. وقد يقال: لكن بولس تكلم العبرية، وهذا صحيح، ولكن غابة ما في هذا أنه من أسرة ميسرة، ولكن هل درس اللغة في أورشليم، كما يخبر بولس في النص؟ هذا بعيد كل البعد، لعدم معرفة أحد من الرجال الدين له، وهذا يظهر جليا من افتتاحية خطابه الذي يعرف فيه نفسه، بالإضافة إلي معرفة يهود أسيا له وجهل رجال الدين بشخصه، يلاحظ أيضا أن بولس يتحدث عن اضطهاده للمسيحيين، كأن لا أحد يعرف ذلك، والمفروض ان رجال الدين علي الأقل علي علم بالمجهود الذي بذله بولس نيابة عنهم

في رسالة بولس إلي غلاطية، يتحدث بولس عن رحلته إلي أورشليم، وكان قبل الرحلة، يقيم في العربية ثم دمشق، ثم قام بزيارة إلي أورشليم، ولكن لماذا قام بولس بهذه الرحلة إلي أورشليم؟
الجواب علي لسانه حيث يقول: لأتعرف ببطرس ( غل 1/18) وهنا سؤال يفرض نفسه : ألم يكن بولس يعرف بطرس الذي كان يضطهده
ويضيف بولس إشكالا آخر إذ يقول 1/22 “ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح” ويقصد كنيسة أورشليم. إذن لا احد يعرفه في أورشليم، وما جاء إليها إلا كضيف ليتعرف علي بطرس، الذي يفترض بولس اضطهادهم، لأنه غيور علي الديانة التي درسها علي يد معلم العصر غمالائيل، ولكن غمالائيل نفسه لم يكن غيورا لدرجة قتل المسيحيين، بل كان رجلا حكيما دافع عن المسيحيين واسمع دفاعه ” والآن أقول لكم: تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم! لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه لئلا توجدوا محاربين لله أيضا ( أ ع 5/38-39 ) »
لقد كتب بولس رسائله باليونانية، ورسائله تظهر دراية كبيرة بأساليب الكتابة باللغة اليونانية وفن الخطاب، واطلاع واسع علي المدارس الفلسفية في وسط البيئة الرويونانية، لكن لا توجد مؤشرات إلي درايته بالتوراة العبرية، ولا يعقل ان تلميذا من تلاميذ غمالائيل، يقتبس النصوص من توراة اليونانية النسخة السبعينية [3] (، يقول يوسف درة الحداد ” نشأ بولس، منذ مولده، على لغتين، وعلى ثقافتين.فحفظ غيبا الكتاب القدسي في ترجمته السبعينية، وكان ينقل منه غيبًا عشرات الاستشهادات في رسائله” [4] .
ويقول دكتور موريس تاوضروس ان لغة بولس الأولي هي اليونانية، فهي لغة الدراسة ولغة معلميه ولغة أهله في البيت كما أنها لغة كتابه المقدس [5] أي انه رضع اليونانية منذ أن كان رضيعا

إذن ثقافة بولس يونانية، ولد وترعرع في طرسوس، أحد أهم مراكز الرواقية [6] في عصر بولس الذي انتشرت فيه الفكر الرواقي الذي يعتبر حجر الأساس للغنوصية، يقول يوسف درة الحداد ” وكان في طرسوس جامعة شهيرة بفلاسفتها، وجّلهم من المدرسة الرواقية ويضيف
وإلى جانب مدارس الفلسفة، كان في طرسوس زوايا للعبادات السرية، مزيج من حكمة اليونان ومن صوفية الشرق، تدعو للخلاص بطقوس سرية، وتعابير غريبة عبر إلينا شيء منها عن طريق بولس كقوله البسوا المسيح [7]- ويقول العلامة درة الحداد أن بولس استعار من الأفلاطونية عبر فيلو الرواقي تعبير [ صورة الله غير المنظور] واقتبس عنهم فكرة [الإغتراب ] وفكرة [الملء ] كما استعار بولس من الفلسفة الرواقية تعبير [ الذي منه الكل، ونحن إليه ] (1كو8/6 ) وتعبير [ الكل منه وبه وإليه ] ( رو11/36 ) [والآب واحد للكل وهو فوق الكل، وخلال الكل، وفي الكل ][8]
أما تعبير ” ملء” فهو تعبير غنوصي يقصد به الإله والأيونات المنبثقة منه،ويطلق عليه أيضا “البليروما [9]”Pleroma وتبني بولس التفسير الرمزي الذي أدخله فيلون السكندري إلي اليهودية، وكان فيلون أفلاطونيا رواقيا، تبني الرمزية لتقريب التوراة إلي أفهام الوثنيين، فالصخرة التي شرب منها اليهود في العهد البرية هي المسيح (1كو 10/4) قصة إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة وهاجر، كله رمز ( غلا 4/24 ) والختان رمز، والحرف يقتل (2كو 3/6) وقد استغل الغنوصيون الرمزية فجعلوا بولس معلمهم الأكبر، وفسروا أقواله التي لا تتفق مع أرائهم فسروها تفسيرا رمزيا

لا شك انه توجد نصوص في رسائل بولس لا تتفق مع الغنوصية، فقد كان بولس متقلبا، يعرف من أين تؤكل الكتف، كما ان بعض الرسائل منحولة ولم يكتبها بولس حسب أغلب العلماء، وعلي أي حال المسحة الغنوسية هي الغالبة علي رسائل بولس، ومن أهم المبادئ التي يتفق فيها بولس مع الغنوسية، هو مبدأ احتقار الجسد، وذلك لأن الجسد شر محض، فيجب أن يسموا عنه الإنسان بقهره، بالصيام والبتولية، علي سبيل المثال، ورسائل بولس مليئة بصرخات ضد الجسد (واما إنا فجسدي مبيع تحت الخطية) رو 7/14 وبسبب الجسد الشرير، بولس لا يدري ما يفعله، لكنه يعلم انه لا يفعل ما يوافق الروح، بل ما يبغضه روحه، والذي يمليئه عليه جسده الشرير الذي تسكنه الخطية، ويصرخ بولس ” فاني اعلم انه ليس ساكن فيّ اي في جسدي شيء صالح” رو 7/18 – الجسد الشرير في حالة حرب مستمرة مع الذهن، لا يتركه لحظة، يحارب ذهنه ويسبيه إلي ناموس الخطية الكائن في أعضائه رو 7/23 أنه الجسد الشرير الذي يجعل بولس لا يتمالك نفسه، ويصرخ ” من ينقذني من جسد هذا الموت” رو 7/24 – الجسد بالنسبة لبولس ليس سوى الموت، لأن الجسد زنى، عهارة، نجاسة، دعارة، عبادة أوثان، سحر، وشقاق. أما الروح فصلاة ومحبة، فرح وسلام، صلاح وإيمان( غلا 5/19،21 )
ما هو الحل إذن ؟ كيف نواجه شر الجسد؟ كيف نسموا عن موت الجسد
الحل البولسي هو قمع الجسد “بل أقمع جسدي وأستعبده” ( 1كو 9/27.

ان هذا الجسد الشرير، ما هو إلا مقبرة حبست فيه الأرواح، لذلك يجب علي الإنسان أن يتحرر من هذا السجن بل الموت، لذلك يجب أن نسلك حسب الروح لا حسب الجسد، فالذين هم حسب الجسد لا يهتمون إلا بالجسديات ( رو 8/5 ) وأما الإنسان الروحاني، فيحكم في كل شيء ولا يحكم فيه أحد (1كو 2/15 ) فتحرروا منه، لأن الأجساد ذات اللحم والدم لا يمكنها أن ترث ملكوت الله (1كو 15/50 )
الجسد لا يرث ملكوت الله، لان الجسد لا يحث إلا علي الشر، بل هو سجن بل موت، فكيف يكون للموت مكانة في ملكوت الله، كلا .. إن الموت ليس بإمكانه أن يعاين الله، أما الروح فتفحص كل شيء حتى أعماق الله ( 1كو 2/10 )
لقد فهم الغنوسيون من قول بولس ” ان اللحم والدم لا يرث ملكوت الله” بان القيامة تكون فقط بالأرواح [10]، بالإضافة إلي قول يسوع ، فاتهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون، قالوا بعدم الزواج والأكل والشرب في الجنة، لأن الروح لا تحتاج إلي هذه الأمور الجسدية التي يحتقرونها – وحاليا يوجد إجماع علي مسألة منع الزواج والأكل والشرب في الجنة، بينما. الآباء الأوائل الذين كانوا اقل غنوصية، أقروا بقيامة الجسد، لكن تفريق بولس بين الجسد السماوي والأرضي، مشكل، والذي يظهر لنا، ان بولس يفرق بين الجسم والجسد، ومن الواضح انه في نص 1كو 15 يرد علي قوم في كنيسته أنكروا قيامة الأجساد، ” لكن يقول قائل: «كيف يقام الأموات وبأي جسم يأتون؟ ”
ويلحظ أنه في سؤاله استخدم لفظ ” جسم” ولم يقل “جسد”
ومن جواب بولس، يتضح ان بولس يري أن الجسد الذي يقوم ليس هو الذي مات ” والذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد” ( 1كو 15/37 ) ثم يقول “وأجسام سماوية وأجسام أرضية” ( 1كو 15/40 ) ثم يقول “يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا. يوجد جسم حيواني ويوجد جسم روحاني” ( 1كو 15/44 )
ويلحظ ان بولس يستخدم لفظ” جسم” ولا يستخدم ” جسد” الذي هو عبارة عن لحم ودم، وهذا الجسم روحي، وليس جسديا، بمعني جسد كجسد الملائكة. إذن بولس يفرق بين الجسد والجسم، فكل شيء له وجود له جسم، ولكن ليس كل جسم جسدا. إذن بولس يقول بقيامة جسمية، لكن أجسام القيامة ليس هي أجساد المؤمنين في حياتهم الأولي
الآباء تخبطوا في فهم الجسم الروحاني، فقال بعضهم كالقديس ايريناوس، ان الجسم هو نفس الجسد، ولكنه يكتسب مميزات إضافية، ثورديت شبهه بالجسد المريض الذي شفي من أسقامه [11] لكن آخرون، تجاهلوا كلام بولس، وقالوا أن القيامة تكون بنفس الأجساد،كالقديس روفينوس الذي يستدل بقيامة يسوع من الأموات، ويقول كما ان يسوع قام بنفس جسده كذلك نحن نقوم بنفس أجسادنا [12]

بولس والزواج

هل كان بولس متزوجا؟

اختلفت الكنائس حول مسألة زواج بولس من عدمه، الفرق التي ترى ان البتولية أفضل من الزواج يقولون أنه لم يتزوج، القائلون بزواج بولس، يرون ان زواجه أمر طبيعي لأي راباي يهودي، خاصة وأن يواس يقول أنه لم يخالف الناموس في شيء ” من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم ” ( فل 3/6 ) وعدم الزواج في اليهودية يعتبر من الكبائر التي تحرم الشخص من دخول الجنة، كما أن بولس كان عضوا في السنهدرين ولا يدخله غير المتزوج [13]
ونري ان عدم مخالفة بولس للناموس دعوة غير صادقة، كما أنه لم يكن عضوا في السنهدرين، وقد أثبتنا عدم صحة تلك الدعاوي سلفا، فما كان بولس سوي يهوديا من الأمم، هيليني الثقافة، يعمل للرومان مثل أبيه، غير أنه يوجد شاهد متقدم جدا يذكر ان بولس كان متزوجا، وقد نقله يوسابيوس القيصري في تاريخه عن القديس أكليمندس السكندري الذي قال ” وبولس في احدي رسائله لا يتردد على تحية زوجته ” [14]
ومهما كان الأمر فان نظرة بولس للزواج لم تكن نظرة احترام وتقديس لتلك العلاقة التي شرعها الله، بل ان نظرة بولس للزواج كانت نظرة ازدراء واحتقار مأخوذة عن الغنوصية ولا علاقة لها بالشرائع الإلهية، حتي انه اعتزل المعاشرة الزوجية وأحب لو ان جميع الناس يقدرون ان يعتزلوا النساء، ونستشف تقليل بولس من شأن الزواج والتحقير لوضعه من رسالته الأولي إلي كورنثوس حيث يفتتح الإصحاح السابع بقوله
وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة.
أن الأفضل للإنسان أن يعتزل النساء أن لا يتزوج وان تزوج أن يعاش معها كأخت له، ولكن، ذلك قد يؤدي إلي انتشار الدعارة بين نساء الكنيسة، ولا بد من الزواج، ليس لأن الزواج أمر حسن، ولكن فقط لحفظ الكنيسة من الفضائح (ولكن لسبب الزنا ليكن لكل واحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها.) 7/2 ويعود بولس يكرر أفضلية عدم الزواج مرة أخرى (لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا ) 7/7 يتمني لو أمكن التخلي عن عار الزواج ونجاسته فليت غير المتزوجين ظلوا بدون زواج وكفونا شره (ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ) 7/8 ) ولكنه يعلم ان هذا غير ممكن للجميع خاصة في بيئة كرنثوس الفاسدة التي تلهب الشهوة،، لذلك لا مانع من الزواج (فليتزوجوا لأن التزوج أصلح من التحرق ) 7/9 ) لهذه الضرورة الزواج ليس خطئا وان كانت البتولية أفضل، ويقبل بولس الزواج على مضض، لكنه يشفق علي المتزوجين لأن الزواج سبب ضيق للجسد الشرير (لكنك وإن تزوجت لم تخطئ. وإن تزوجت العذراء لم تخطئ. ولكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد. وأما أنا فإني أشفق عليكم. ) 7/28 لا يتوقف بولس هنا بعد ان قال راية وسمح بالزواج علي مضض، شيء ما أو شوكة ما في ذهنه تدفعه إلي العودة إلي حث أتباعه علي الابتعاد عن النساء وشر معاشرتهن، ويخيفهم بنهاية العالم (فأقول هذا أيها الإخوة: الوقت منذ الآن مقصر لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم ) 7/29 ) أي ان العالم علي وشك الانتهاء وقريبا سوف يأت يسوع ويختطف المؤمنين إلي السماء، وطالما يسوع في الطريق يفضل الابتعاد عن شر النساء (. أنه حسن للإنسان أن يكون هكذا ( بدون زواج ) 7/26 ) ثم يدخل بولس علي أتباعه من باب آخر، اهتمام الزوجين برضي بعضهم حاجز بينهم وبين الله، وبولس لا يريد لأتباعه الانشغال بهموم الزواج (غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب .. وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته ) 7/32,33 ) ولا ينس بولس ان يذكر العذراوات ان المعاشرة الجنسية نجاسة ضرورية يمكن تجنبها ليبق الجسد اقل نجاسة (إن بين الزوجة والعذراء فرقا: غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدا ) 7/ 34
وعلي أي حال بولس لا يريد ان يرهقنا بمثاليات الغنوصية، فالتوصية بعدم الزواج لا يقدر يمتثل لها الجميع، بل هو أقرب إلي الأمر بغير مستطاع، لذلك يتنازل بولس للأمر الواقع فبقول ان الزواج حسن، أي لا باس به، هو مباح، فمن لديه عذراء ويخشي عليها من الوقوع في الزنى، لا بأس من تزويجهاـ ولكن عدم الزواج أفضل ( إذا من زوج فحسنا يفعل ومن لا يزوج يفعل أحسن ) 7/38
لكن يري القاري لرسائل بولس نصوصا بعيدة عن الغنوسية، بل أحيانا تهاجم الغنوسية، ففي رسالة أقسس 5/25 نجده يقول (أيها الرجال أحبوا نساءكم كما ) وتتكرر النصيحة في كلوسي 3/19 (أيها الرجال أحبوا نساءكم ولا تكونوا قساة عليهنّ ) في تيماثاوس الأول 2/15 نرى ان وراء الزواج خير كثير، فإنجاب الأطفال سبب للخلاص، (ولكنها ستخلص بولادة الأولاد ) بل نجد رسالة تيموثاوس الأولي تهاجم الغنوصين وتصفهم بالضلال لأنهم يمنعون الزواج وينادون بالتقشف (مانعين عن الزواج، وآمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله ) 4/3 حتى التقليد المعمول به في الكنائس الشرقية والكاثوليكية في عدم زواج رجال الدين، نجد اعتراضا عليه في رسالة تيطس 1/5-6 ( وتقيم في كل مدينة شيوخا كما أوصيتك ان كان احد بلا لوم بعل امرأة واحدة ) ونفس المعني نجده في تيموثاوس الأولي 3/12 (ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة )
هل هذا تناقض ؟
عندما كنت أناقش الدكتور حنين عبد المسيح حول غنوصية بولس واحتد الدكتور قليلا كما سبق وذكرت في القسم الأول من المقال – وقد قال لي أنت لا تري هذه النصوص وتتهم بولس بالغنوصية وهو الذي حاربها ما أسهل أن نقول للدكتور ولماذا أنت لا تري النصوص التي نطرحها ؟ غير أنه لا يوجد تناقض بين بولس ونفسه، لقد كان بولس حقا غتوصيا حني الثمالة، وكل ما في الأمر إن هذه الرسائل التي سقنا منها النصوص ليست من رسائل بولس، وتعرف هذه الرسائل بالرعوبة، وهناك شبه إجماع علي أنها ليست من رسائل بولس، ولعل أهم الأدلة التي استند عليها العلماء مخالفتها لفكر بولس في رسائله التي أيقن العلماء ان بولس كتبها، وحول عدم كتابة بولس لهذه الرسائل (راجع كتاب فورجد لدكتور بايرت ايرمان ) [15]
ومع ذلك نري الفكر الغنوصي لا يختفي في هذه الرسائل ذاتها، فها هو كاتب رسالة تيموثاوس الأولي المنسوبة إلي بولس يقول فيها (اما الأرامل الحديثات فارفضهنّ لانهنّ متى بطرن على المسيح يردن ان يتزوجن ) 5/11
غنوصية بولس تركت تأثيرا بالغا في كتبة الأناجيل والمسحيين فانقسموا إلي فرق أربعة، وهم المسيحيون المتهودون، المسيحيون المحتارون، وفريقين من الغنوصيين. المسيحيون المتهودون رفضوا تعاليم بولس رفضا نهائيا واعتبروه زنديقا، وهؤلاء هم أتباع المسيح من اليهود، وكان مركزهم أورشليم وقائدهم يعقوب المعروف بأخ الرب.
الفرقة الثانية، تأثرت بالغنوصية تأثيرا شديدا، ولكنهم احتاروا في أمور معينة ولم يكن لهم موقف ثابت، كالجسد والزواج والقيامة. ومنهم من قام بالرد على أراء الغنوصية دون أن يتبرأ منها نهائيا، ومن هؤلاء القديس يوستينوس الشهيد الذي كتب رسالة عن قيامة الجسد، وفيها أكد على عدم حقارة الجسد، واعتبر ان احتقار الجسد احتقار للتجسد، وأكد يوستينوس الشهيد ان القيامة تكون بالروح والجسد، لكنه مال إلي الغنوصية في طبيعة الحياة في الملكوت [16] ، أما ترتليانوس فقال ” , أنه لا ينكر القيام بالجسد إلا المهرطقين القائلين بثنائية اللاهوت”[17] وقال ” أن إنكار القيامة بالجسد هدم لأساس الإيمان المسيحي” ) ومع ذلك ترتليانوس يحتقر الزواج ويعتبره عهر مشروع،[18] القديس جيروم لم ير غضاضة أن يكون للجسد دورا في حياة الآخرة من حيث العذاب أو النعيم حيث يقول عن البكاء وصرير الإسنان ” أن هذا يُشير إلى قيامة الجسد، ليشترك مع النفس في الجزاء. إن كان يوجد بكاء للعيون وصرير للأسنان أي للعظام، فبالحق ستكون قيامة للأجساد التي سقطت.” [19] لكن أغلب الآباء رفضوا المتعة الجسدية في الآخرة، فقالوا بعدم الزواج في الملكوت ومنعوا الأكل والشرب، بناء على فهم خاطئ لقول بولس في روميا 14/17 (لأن ليس ملكوت الله أكلا وشربا بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس) أما في الدنيا فقد اعتبروا عدم الزواج خير من الزواج، لذلك ترى أغلبهم يقولون ان مريم العذراء لم تعاشر زوجها يوسف النجار، جيروم الذي قال بقيامة الجسد، لم يتسطع أن يهضم مساواة العذراء بالمتزوجة، فعمدما كتب جوفيانوس الهرطوق مؤكدا مساوة الإثنين، ثار جيروم وكتب يرد عليه بحماسه المعتاد وقال ان مجرد المقارنة بين العذرا والمتزوجة إهانة للعذراية [20[
الفريق الثالث، هو الأكثر تشددا في إتباع بولس، بل زادوا وقالوا ان يسوع نفسه لم يكن لديه جسدا حقيقيا وإنما اتخذ جسدا وهميا أو خياليا [21] ونقرأ في أعمال بولس ” طوبي لمن عزل نفسه عن النساء طوبي لمن له زوجة ويعيش كمن ليس له زوجة ” أي أنه لا يعاشرها وهذا مأخوذ من قول بولس ” لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم” ( 1كو 7/29 ) وفي نفس السفر، أعمال بولس نقرأ ” طوبي للعذارى فأنهن ينالن أجر طهرهن” أي ان عدم المعاشرة طهر، أما الزواج ومقتضياته فهي نجاسة، وقد نسب كاتب الأعمال الي بولس القول: لا يقوم من الموت في الآخرة غير الذين اعتزلوا النساء [22]إيريناوس يخبرنا ان الغنوصيين قالوا بان الزواج من الشيطان وليس من الله، وكانوا يمتنعون عن الأطعمة الحيوانية [23] وفي الفصل 28 من الكتاب الأول يخبرنا إيريناوس ان تاتيان (ططيانوس) ماركيون وفالينتينوس يقولون عن الزواج انه فساد وزنى، أما عن القيامة، فقد قالوا بقيامة الروح ورفضوا قيامة الجسد بناء على قول بولس في 1كو 15/50 (إن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ولا يرث الفساد عدم الفساد، وقوله (يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا ) 1كو 15/44 ) بالإضافة إلي قول منسوب ليسوع في الأناجيل يقول فيه (لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء ) متى 22/30 )
الفريق الرابع يحسبون على الغنوسية عقائديا لكنهم مقدماتهم عن الجسد أوصلتهم إلي فكر معاكس حيث أباحوا لأنفسهم كل شيء، وبنوا فكرهم على رفض بولس للناموس ( غل 2/16 ، 21 ) بالإضافة إلي قول بولس بأن الخلاص ليس بالأعمال وإنما بالإيمان، ومن هؤلاء جماعة كربوكراس الذي قال بجواز كل شيء، وقال بولس في 1كو 6/12 (كل الأشياء تحل لي ) وعلل موقفه بأن قال أنه لا يوجد شيء مستقبح في ذاته، وإنما الناس هم من استقبحوها، [24] وهذا مطابق لقول بولس في رو 14/14 (إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته إلا من يحسب شيئا نجسا فله هو نجس وجاء بعده ابنه أبيفانيوس وكان يقول ان الأعمال لا تعني شيء عند الله، وان الله أعطي الخلق كل شيء بالتساوي وان ظهور الشريعة فرقت بين الناس وأسست الملكية الخاصة، وأنشأت مبدأ الصح والخطأ وافعل ولا تفعل، لكن في الأصل كان كل شيء مباحا، وبناء علي ذلك دعي الى الاشتراكية في كل شيء حتي في الزوجات [25] ونجد أقوالا مماثلة في رسائل بولس، ففي رومية 3/20 يقول بولس بان الناموس سبب معرفة الخطية (لأن بالناموس معرفة الخطية ) وان الناموس أدجل الخطية إلي العالم وحيث لا يوجد ناموس لا يوجد تفرقة في الأعمال (لأن الناموس ينشئ غضبا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعد ) رو 4/15 ) لذلك لم يكن هناك فعل مستقبح قبل الناموس فكل الأفعال كانت مباحة (فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم. على أن الخطية لا تحسب إن لم يكن ناموس ) رو 5 /13 ويقول في رو7/9 (أما أنا فكنت بدون الناموس عائشا قبلا. ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا ) إذا الناموس سبب وجود الخطية (وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية ) رو 5/20 فإذا ما تم إلغاء الناموس تعود كل الأشياء مباحة وقد ألغاه بولس (وأما الآن فقد تحررنا من الناموس ) رو 7/6
آخرون قالوا ان الجسد شر والروح خير، فالشر للشر والخير للخير، اي أنهم يفعلون ما هو شر بأجسادهم وليس بأرواحهم]
البعض قال انه لا يجوز للجسديين الذين لم ينالوا الأسرار أن يعاشروا النساء، أما من نال أسرار الحكمة وأصبح غنوصيا فمباح له كل شيء لأنهم وصلوا إلي مرتبة الكمال، [26] ويقول بولس (وأما الإنسان الروحاني، فيحكم في كل شيء ولا يحكم فيه أحد ) 1كو 2/15

سبق أن ذكرنا ان بعض آباء الكنيسة، خالفوا الغنوصيين في مسألة حقارة الجسد ورفضهم للعلاقات الزوجية، وكان الدافع لهذا الخلاف الدفاع عن عقيدة التجسد، الغنوصية لم تر إشكالا في التوفيق بين حقارة الجسد والتجسد، لأنهم لم يعتقدوا ان جسد يسوع كان جسدا حقيقيا، بل كان خياليا، وبناء على هذا، التجسد لا يعني ان الإله حل في الجسد الجقير، وفي المقابل تري الكنائس الرسولية ان الإله اتخذ جسدا حقيقيا من العذراء مريم، وبناء علي ذلك كان لا بد ان تحارب هجوم الغنوصية علي الجسد، لأنه إن كان الجسد شرا فلا يليق ان يحل فيه الإله . لكن هل تحررت الكنائس الرسولية من هذا العنصر الغنوصي كاملا وهل استمرت تحارب ذلك الفكر؟
بداية، هؤلاء الأباء لم يتحرروا من غنوصية بولس بالكامل، وان كان بعضهم دافعوا عن قيامة الجسد، غير أن استيائهم من الزواج والمعاشرة الجنسية واضح في كتاباتهم، فالقديس يوستينوس الشهيد الذي دافع عن قيامة الجسد بضراوة وفسر قول بولس بان الجسد لا يرث الملكوت تفسيرا رائعا وأزال عنه الإبهام، نراه في دفاعه الأول يتخذ اعتزال النصارى للمعاشرة الزوجية دليلا علي صحة الديانة، يقول: نحن اذا تزوجنا، نتزوج فقط من أجل إنجاب الأطفال، وإذا لم نتزوج نعيش حياة البتوليةـ وليس الجماع من أسرار طقوسنا، منذ فترة قصيرة، واحد منا قدم إلتماسا إلي حاكم إسكندرية ليمنح أحد الأطباء رخصة بإجراء عملية خصي له لأن ذلك كان ممتوعا، [27]
وفي كتابه عن القيامة، يوافق الغنوصيين في طبيعة الحياة في الملكوت مؤكدا أنه لا يوجد تزاوج هناك [28]

العلامة ترتليانوس يقول في سياق الرد علي مارقيون، نحن لا نمنع الزواج ولكن نمتنع عنه فقط[29] وفي كتاب الحث على العفة يقول ترتليانوس ان الزواج زنا مشروع – [30]
أغناطيوس الأنطاكي يصف إكليمندوس الروماني بالطهارة لأنه لم يتزوج، ويعيب علي المتزوجين [31] أغناطيوس في رسالته إلي فليدلفيا يقرر ان الزواج وضع فقط من اجل التكاثر ليس إلا [32]
أثيناغوروس يقول أن المسيحيين لا يتزوجون إلا لسبب الإنجاب، ولا يضاجعون الزوجة إلا من أجل الحمل، ومثل الفلاح الذي يضع البذرة مرة واحدة كذلك النصارى يضاجع زوجته المرة التي يضع فيها البذرة فقط، يفتخر بأن كثير من النصارى لا يتزوجون من أساسه [33]
أكليمندس السكندري يتخذ نفس الموقف ويبيح المعاشرة الجنسية فقط من أجل إنجاب الأطفال [34]
القديس أغسطينوس يظن أن معاشرة الزوجة مباح، لكن الإباحة ليست هي الأصل – يقول القديس أوغسطينوس : من الممكن أن لا يعتبر الجماع مع الزوجة خطية مع عدم الرغبة في الإنجاب ولكن من أجل الوقاية من الزنى، هذا ما أقوله، كان من الممكن أن لا يكون الجماع خطية لولا ان الرسول أضاف ان هذا رخصة، من إذن ينكر ان جماع الزوجة خطية، طالما أن الأمر مجرد رخصة من الرسول [35]
في كتاب فضل الزواج يشترط أغسطينوس في الرخصة عدم الإكثار من المعاشرة [36] برى أغسطينوس ان الخطية هي التي أوجدت الجماع، ولو لم يكن آدم وحواء وقعا في الخطية، لكان الإنجاب بطريقة أخري غير المعاشرة الجنسية [37]
وفي نفس الكتاب يمنع أغسطينوس الزواج للمطلق الذي زنت زوجته [38]

وقد سود الآباء المجلدات في فضل العذارى الراهبات، قالوا أنهن كالملائكة بل يفقن الملائكة [39]
وأنهن يعشن حياة الملكوت، أنهن الطهارة والنقاء وأنهن عروسات يسوع في الملكوت، طبعا بدون معاشرة
يوحنا الدمشقي، يقول ان العذرية فطرة في الإنسان، والحياة في الجنة كانت عذرية، وخلق الإنسان كي يعيش حياة البتولية [40]
القديس جيروم كتب كتابا من جزءين يرد فيه علي جيوفانيوس، لأنه ساوى بين العذراء والمتزوجة والأرملة، وقال ان المعمودية تساوي جميع النصارى، [41] وفيما بعد، آراء جيوفانيوس كلفته الملكوت، فقد حكمت عليه الكنيسة بالكفر في مجمع أقيم في روما وترأسه القديس أمبروسيوس [42]

في عام 305 شرعت قوانين تمنع زواج رجال الدين ومنع المتزوجين من معاشرة زوجاتهم، ومن لا يتوقف يعزل من رتبته الكنسية,[43] كان ذلك في مجمع ألفيرا المحلي في أسبانيا، في مجمع نيقية المسكوني، صدر قانونا يمنع تواجد إمرأة أي إمرأة في منزل الاسقف، القس والشماس، عدى أمه، أخوته، أو عماته وخالته، وفهم البعض من هذا القانون النيقوي، أنه يمنع زواج رجال الدين، ولكن ليس هذا أكيدا، ربما وضع هذا القانون بسبب الفضائح الجنسية، ويذكر المؤرخ سوزمين ان المجمع ناقش بتولية رجال الدين، لكن اعترض عليه أحد الأساقفة المصريين المعتبريين، فلم يمرر القانون [44]
في عام 385 فرقت الكنيسة الكاثوليكية بين الرجال الدين وزوجاتهم، ووضعت قوانين صارمة لمن يخالف قوانين البتولية، [45] وتسبب هذا في انتسار عادة اتخاذ العشيقات بين رجال الكنيسة، حتي ثار على الوضع الإصلاحيون

حاليا، الكنيسة الكاثوليكية تمنع زواج أصحاب الرتب الكهنوتية، بينما الكنائس الشرقية تمنع زواج القساوسة بعد الرسم، ولكن ترسم قساوسة متزوجون، ولا يسمح لهم بالزواج مرة أخرى في حالة وفاة الزوجة، كما أن المتزوج لا يصل الي درجة أسقف
بالإضافة الي ذلك، لا تسمح الكنيسة بالزواج في مناسبات الصوم، وما أكثرها، حيث أيام الصوم في بعض الكنائس أكثر من نصف عدد أيام السنة
وهكذا تمكنت غنوصية بولس من الكنيسة، ونست الشرع الإلهي وسنته في الخلق، حتى ظهر البروتستانت وأدركوا أن الغنوصية والرهبنة بدعة وليست من الدين في شيء وما كتبها الله عليهم فثاروا عليها، لكنهم لم يتحرروا كاملا من الغنوصية

محمود أباشيخ

[1] Tertullian ‘ Against Marcion 3:5’ in The Ante-Nicene Fathers Vol. III Latin Christianity: Its Founder, Tertullian. P 324
[2] يوسف درة الحداد، فلسفة المسيحية الرسول ورسائله ص 52
[3] Hans Dieter Betz ‘Paul’ in The Anchor Bible Dictionary Vol.5, ed Freedman, D. N P.193
[4] يوسف درة الحداد، فلسفة المسيحية الرسول ورسائله ص 48
[5] موريس تاوضروس. شرح رسالة بولس الي أهل رومية ص 19
[6] المصدر السابق ص 17
[7] انظر هامش 4
[8] يوسف درة الحداد، فلسفة المسيحية الرسول ورسائله ص 222
[9] عبد المسيح بسيط . أبوكريفا العهد الجديد ص 15
[10] Irenaeus ‘Against Heresies 5:9’ in The Ante-Nicene Fathers Vol.1 P 534
[11] Theodoret. ‘Dialogue II. The Unconfounded’ in The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. 3 P 199
[12] Rufinus. ‘The Apology’ in The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. 3 P 437
[13]وليام باركلي تفسير رسالة بولس الي كرنثوس ص 67
[14] يوسابيوس القصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة مرقص داود ص 133
[15] Bart Ehrman. Forged PP 109 ، 121 ، 124 ، 127
[16] Justin Martyr,’ on the Resurrection ch 2 – 3 ‘ In The Ante-Nicene Fathers Vol.1
[17] Tertullian. ‘On the Resurrection of the Flesh ch 2’ In The Ante-Nicene Fathers Vol.3
[18] Tertullian ‘On Exhortation to Chastity c 9 ‘ In The Ante-Nicene Fathers Vol.4 P 55 – انظر ايضا تاريخ الفكر المسييحي عند آباء الكنيسة – كيرلس سليم ص 342
[19] تادريس ملطى ، من تفسير وتأمُّلات الآباء الأولين، إنجيل متى 8
[20]Jerom. Against Jovinianus 1:3 in NPNF2-06. The Principal Works of St. Jerome P.347
[21] Irenaeus. Against Heresies 1:24
[22] in The Ante-Nicene Fathers Vol.8 . P 488
[23]ibid
[24]Henry Wace. A Dictionary of Christian Biography P 147
[25] ibid P. 299
[26] Irenaeus. Against Heresies 1:6
[27] Justin Martyr. The First Apology of Justin Ch 15, 29
[28] Justin Martyr, on the Resurrection ch 3
[29]Tertullian. Against Marcion 1:29
[30] Tertullian On Exhortation to Chastity c 9

[31] Ignatius, The Epistle to the Philadelphians c 4
[32] Ignatius, The Epistle to the Philadelphians c 4
[33] Athenag PLEA FOR THE CHRISTIANS CHAPTER XXXIII
[34] Clement of Alexandria THE STROMATA, OR MISCELLANIES. Book II. CHAPTER XXIII
[35] Augustine. The Enchiridion, ch 78
[36] Augustine. On the Good of Marriage. 11
[37] ibid c2
[38]ibid c7
[39] Cyprian. the Discipline and Advantage of Chastity. 7
[40] An Exact Exposition of the Orthodox Faith 4:24
[41] انظر هامش 20

[42] Encyclopaedia Britannica Vol 15 P 526
[43] Thurston, Herbert. “Celibacy of the Clergy.” in The Catholic Encyclopedia. Vol. 3.P141 انظر ايضا Encyclopaedia Britannica Vol 9 P 301
[44] Philip Schaff. The Seven E*****enical Councils P 51
[45] Encyclopaedia Britannica Vol 5 P 602

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s